لقد فهمت أم المؤمنين حفصة - رضي الله عنها - أن الورود لجميع الناس، وأنه بمعنى الدخول؛ فأزال رسول الله × إشكالها بتمام الآية { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } [مريم: 72] .
فرسول الله صلى الله عليه وسلم أقرّها على فهمها ابتداءً ثم وضَّح لها أن الدخول المنفي غير الورود المثبت، وأن الأول خاص بالصالحين المتقين، والمراد به نفي العذاب فهم يمرون منها إلى الجنة دون أن يمسهم سوء وعذاب، وباقي الناس على خلاف ذلك.
فثبت ولله الحمد والمنة: أن دليل الخطاب حجة يعتمد عليه، ويعول في الفهم إليه.
ناهيك أن قوله تعالى: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } ليس دليل خطاب، وإنما هو احتجاج بتقسيم عقلي؛ لأنه ليس بين إتباع سبيل المؤمنين وإتباع غير سبيلهم قسم ثالث، فإذا حرم الله جل جلاله إتباع غير سبيلهم، وجب إتباع سبيلهم، وهذا واضح لا يشتبه.
فإن قيل: فإن بين القسمين ثالثًا وهو عدم الإتباع أصلًا.
قلت: هذا من أوهى ما نطقت به العقول؛ لأن عدم الإتباع أصلًا هو إتباع لسبيل غيرهم قولًا واحدًا؛ لقوله تعالى: { فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32] ؛ فثبت أنهما قسمان لا ثالث لهما.
فإن قيل: لا نسلم أن إتباع غير سبيل المؤمنين موجب لهذا الوعيد بل هو مع مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يلزم حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا بل إذا كانت مع المشاقة.
قلت: معلوم أن المشاقة محرمة بانفرادها، مستقلة بنفسها لإيجاب الوعيد عليها؛ كما قال تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13] ؛ فدلّ أن الوعيد على كل منهما بانفراده، وأن هذا الوصف يوجب الوعيد بمفرده، ويدل على ذلك أمور منها:
أ - أن إتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرمًا بانفراده لم يحرم مع المشاقة.
ب - أن إتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن يدخل بانفراده في الوعيد لكان لغوًا لا فائدة من ذكره؛ فثبت أن عطفه علة مستقلة كالأول.
فإن قيل: لا نسلم أن الوعيد لمن اتبع غير سبيل المؤمنين مطلقًا، بل بعد ما تبين له الهدى، لأنه ذكر مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرط فيها تبين الهدى، ثم عطف عليه إتباع غير سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تبين الهدي شرطًا في الوعيد على إتباع غير سبيل المؤمنين.
قلت: قوله تعالى: { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } معطوف على قوله: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } فلا يكون قيد الأول شرطًا للثاني، وإنما العطف لمطلق الجمع والمشاركة في الحكم، وهو قوله تعالى: ] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا؛ فدل على أن كلا الوصفين يوجب الوعيد بانفراده.
ويدل عليه ما يأتي:
أ - أن تبين الهدى شرط في مشاقة الرسول ×؛ لأنه من جهل هدى رسول الله × لا يوصف بالمشاقة، أما إتباع سبيل المؤمنين فهو هدى في نفسه.
ب - أن الآية خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين فلو كان إتباع سبيلهم مشروطًا بتبين الهدى لم يكن إتباع سبيلهم لأجل أنه سبيلهم بل لتبين الهدى، وعندئذ فإن إتباع سبيلهم لا فائدة منه.
وبهذا تبين: أن إتباع سبيل المؤمنين منجاةً؛ فثبت أن فهم الصحابة للدين حجة على غيرهم فمن حاد عنه فقد ابتغى عوجًا، وسلك مكانًا حرجًا؛ فحسبه جهنم وساءت مستقرًا، ومصيرًا، ومقامًا، ومقيلًا.
14-قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
قال ابن قيم الجوزية:"فالرسول صلى الله عليه وسلم بعث مُربيًا ومُعلمًا للكتاب وللسنة، وهذا من أعظم مقاصد الرسالة والنبوة، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما علّم جيل الصحابة، ومن بعدهم تلقي العلم عن طريقهم."
وقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكتاب بنصوصه ومعانيه، وقواعده وضوابطه، كما علّمهم السنة أتم تعليم وأكمله، ولم يشاركهم أحد في التلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثَمَّ فلا يماثلهم أحد في كمال علمهم وفهمهم؛ لأن من تلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتَعَلّم على يديه ليس كمثل من تلقى عن غيره، إذ لا يمكن لأحد أن يماثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيان والتعليم.
ووجه الدلالة: أن أولى الناس بالإتباع هو أتمّهم علمًا وأكملهم فهمًا، والصحابة هم أكمل الناس علمًا، وأتمهم فهمًا، فينبغي إتباعهم وتقديمهم عند الاختلاف وتعارض الفهم والحكم، قال إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: 43] "."