15-قال الله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] .
قال ابن قيم الجوزية:"والرشد ضد الغي والضلال، ويأتي بمعنى الهداية، والصحابة هم الراشدون المهتدون، الذين تمت هدايتهم ورشدهم، وكمال رشدهم يتضمن تمام الهداية في القول والفعل، ومعرفة الخطأ والصواب، والحق والباطل، وهذا يقتضي أنهم أولى بالهداية إلى الحق من غيرهم."
ووجه الدلالة: أن من كان راشدًا مهتديًا كان قوله وفتياه أقرب إلى الحق والصواب ممن لم يكن كذلك، وهذا يقتضي إتباعه، وتقديم قوله وفهمه لكما هدايته، والصحابة كذلك بنص الآية، فاقتضت الآية تقديم أقوالهم وفتاويهم، والله أعلم"."
16-قال الله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم َ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة: 6، 7] .
قال ابن القيم الجوزية:"والصراط المستقيم هو صراط الأنبياء قبل هذه الأمة، وصراط الصديقين والشهداء والصالحين منها؛ كما قال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ، فأولئك هم أهل النعمة والفضل، وصراطهم بمعزل عن أسباب الغضب وموجبات الضلال، إذ هو تام الاستقامة لا عوج فيه ولا انحراف ."
وسلوك الصراط المستقيم فريضة واجبة على كل مسلم، قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .
وإنما يكون سلوك هذا الصراط بأتباعه السابقين عليه في التحليل والتحريم والإيجاب، فيتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في هديه وسننه، ويتبع الصحابة فيما اختلف فيه الناس، وتشابه عليهم، لأنهم المبرءون من الانحراف القائمون المستقيمون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ووجه الدلالة: أن البراءة من سبل المغضوب عليهم والضالين، في الاعتقاد والعبادة والسياسة والأخلاق والعبادات شرط للبراءة من العذاب والغضب والضلال.
وأن هذه البراءة تكون بإتباع صراط السابقين الأدلاء على الطريق، وهم من هذه الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي إتباعهم، واقتفاء آثارهم، ولزوم هديهم"."
17-قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ} [آل عمران: 7] .
قال ابن قيم الجوزية:"والآية بينت أن القرآن منه آيات محكمة ظاهرة الدلالة، وهي الأصل الذي يتبع ويهتدي به، ومنه آيات متشابهة في دلالتها، تحتاج إلى بيان وتفسير من بينات القرآن والسنة."
وأن أصحاب القلوب المريضة الزائغة عن الاستقامة يتبعون الدلالات المتشابهة قبل إحكامها طلبًا لتحريفه عن معناه، وتفسيره وفق أهوائهم، وهم لا يعلمون جلية بيانه وتفسيره.
وأن الراسخين في العلم هم الذين يعرفون تفسيره وبيانه المحكم.
وهذا يقتضي: أن الواجب على كل أحد طلب تأويل المتشابهة من أهل العلم به من الراسخين في العلم، وأن تأويله دون الرجوع إليهم إنما هو فتنة وإتباع للأهواء.
والراسخون هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا واحدًا، ويكفي في ذلك ما سبق من الأدلة والبراهين في مباحث هذه الرسالة، فاقتضى ذلك أن إتباع الصحابة في تأويل المتشابه فريضة تقتضيها البراءة من الفتن والأهواء، وأن مخالفتهم فيه من علامات الفتنة وإتباع الأهواء، والله الموفق"."
18-قال صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
قال ابن قيم الجوزية:"فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرًا من بعض الوجوه فلا يكونوا خير القرون مطلقًا."
فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم، وسائرهم لم يُفتوا بالصواب، وإنما ظفر بالصواب من بعدهم، وأخطأوا هم؛ لزم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه، لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن.