فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 4557

والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق، فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به؛ كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم.

فلو كان علمهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله، إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها؛ كانت تلك الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسمًا أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه"."

8-قال تعالى: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] .

قال ابن قيم الجوزية:"فأخبر تعالى أنه اجتباهم، فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه، وجعلهم أهله وخاصته، وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم، وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه، كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه، وآثرهم بذلك على من سواهم."

ثم أخبرهم تعالى أنه يسَّر عليهم دينه غاية التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة؛ لكمال محبته لهم، ورأفته ورحمته، وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه نوَّه بهم، وسمّاهم كذلك بعد أن أوجدهم، اعتناءً بهم، ورفعةً لشأنهم، وإعلاءً لقدرهم.

ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله، ويشهدوا هم على الناس، فيكونوا مشهودًا لهم بشهادة الرسول، شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه؛ وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين؛ ولهاتين الحكمتين العظيمتين.

والمقصود: أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى؛ فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة؛ فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، والله المستعان"."

9-قال تعالى: { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] .

قال ابن قيم الجوزية:"ووجه الاستدلال بالآية: أنه تعالى أخبر عن المعتصمين به بأنهم هدوا إلى الحق."

فنقول: الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله فهم مهتدون؛ فإتباعهم واجب.

أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوهن:

أحدها: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78] ومعلوم كمال تولي الله ونصره إياهم أتم نصرة، وهذا يدل على أنهم اعتصموا به أتم اعتصام، فهم مهديين بشهادة الرب لهم بلا شك، وإتباع المهدي واجب شرعًا وعقلًا وفطرةً بلا شك"."

10-قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ } [السجدة: 24] .

قال ابن قيم الجوزية:"فأخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة، وكف النفس عمّا يُوهن عزمه ويضعف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى."

ومن المعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى عليه السلام، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة، وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم، وثنائه عليهم، وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بأنهم خير القرون، وأنهم خيرة الله وصفوته.

ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق، ويظفر به المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حسًّا وعقلًا فهو محال شرعًا، وبالله التوفيق"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت