فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 4557

أما كسب التأييد: فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نفع الدعوة الإسلامية بزواجه من قبائل قريش ، باعتبار أن قريشًا سيدة العرب ، وإذا أسلمت قريش أسلمت العرب ، وفعلًا قد وجد من هذه القبائل التي صاهرها العطف الكامل ، والتأييد المطلق ، بل أصبحوا يدخلون في الإسلام تباعًا ، ويعتنقون الدين الجديد طواعية واختيارًا ، وكان لهذا التعدد للزوجات دون في تشجيع الناس على الدخول في الإسلام وكان له دور في كسب النبي صلى الله عليه وسلم هذا العطف والتأييد.

فهذه جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: لما أُسِرَت مع قومها في غزوة بني المصطلق ، استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أذن لها قالت: يا رسول الله أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء مالم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس ، فكاتبته (12) على نفسي ، فجئتك أستعينك على أمري: فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فهل لك في خير من ذلك ؟ ) قالت: وما هو يا رسول الله ؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم: ( أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ) فقالت في فرحمة غامرة: نعم يارسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( قد فعلت ) (13) .

فما هي نتائج هذا الزواج ؟ أقبل الناس وبأيديهم أسرى قومها ، فأرسلوهم أحرارًا وهم يقولون: ( أصهار رسول الله ) ! فما كانت إمرأة أعظم على قومها بركة منها ، فأعتق المسلمون بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع الأسرى السبايا ، ودخل الجميع في الإسلام وهم راضون وراغبون ، وكان لهذا الزواج من جويرية أفضل الآثار ، وأحسن النتائج .

وروت كتب السيرة أن أباها جاء النبي صلى الله عليه وسلن فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها ، فإن ابنتي لا يسبى مثلها !! ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يخيرها ، فسرَّ أبوها بذلك ، فخيّرها ، فاختارت الله ورسوله ، وكانت من أعبد امهات المؤمنين.

وذكر ابن هشام في السيرة أن والدها سمع حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عما جاء فيه من فداء ابنته ، فصاح بصوت جهير: ( أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله ) وأصدقها النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم.

وهذه أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموى رضي الله عنها ، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة ، وكان تزوجه بها تأليفًا لأبي سفيان سيد قريش وزعيم مكة ، وترغيبًا له في الدخول بالإسلام ، ومن ناحية أخرى كان هذا الزواج جبرًا لخاطرها ، وجمعًا لشملها ، وإنهاءً لوحشة الهجرة وسوء تصرف زوجها ؛ ولزواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها قصة ،تتلخص في أن أم حبيبة أسلمت مع زوجها (عبيد الله بن جحش الأسدي ) بمكة ، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة ، فتنصر زوجها هنالك وفارقها ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها له ، وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة ، ولما عادت إلى المدينة بني بها وتزوجها ، ولما بلغ أبا سفيان الخبر قال: ( هو الفحل لايقدع أنفه ) ويقصد أنه الكفء الذي لايماثلة أحد ، وكانت هذه المصاهرة فيما بعد من العوامل الأساسية التي دفعت أبا سفيان إلى الدخول في الإسلام في العام التالي عام الفتح .

وهذه صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع من الهجرة ، وكانت من يهود بني النضير ، وأُسرت بعد قتل زوجها في غزوة خيبر ، فأخذها دحية بن خليفة الكلبي في سهمه ، فقال أهل الرأي من الصحابة: يارسول الله إنها سيدة قومها لا تصلح إلا لك ، فاستحسن رأيهم أسباب منها: إباؤهه عليه الصلاة والسلام أن تذل هذه السيدة بالرق عند من تراه دونها في المكانة ، وتشجيعه الناس على إعتاق الرقيق ، أما بيت القصيد من هذا الزواج فهو رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تحريض اليهود على اعتناق الإسلام ، أو على الأقل تخفيفهم من عداوتهم للإسلام ، ومكرهم بالمسلمين وروى الإمام في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم خير صفية بين أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها ، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته.

فإذا أضفنا إلى هذا الزواج زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر وهي من بني عدي ، وزواجه بزينب بنت جحش وهي من بني أسد ، وزوجه من أم سلمة وهي من بني مخزوم ، وزواجه من ميمونة بنت الحارث وهي من بني هلال ، وزواجه من سودة بنت زمعة وهي من بني عامر بن لؤي . إذا اضفنا كل هذا إلى باقي الزوجات اللاتي تحدثنا عنهن قبل قليل ؛ يتبين لنا بشكل قاطع لايتحمل الشك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النسنوة يستهدف في الدرجة الأولى مصاهرة هذه القبائل ، ليكسب تأييدها في المهمة التي كلف بها ، وبعث من أجلها ، ألا وهي رسالة الإسلام . ثم بالتالي كان يطمع بهدايتهم واعتناقهم هذا الدين الجديد ، ولو اقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على زوجة واحدة لما كان هذا التأليف ، ولما حظي بهذا التأييد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت