فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 4557

ومن الثابت تاريخيًا كذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بالسيدة خديجة وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة ، وكانت هي ثيبًا (8) بنت اربعين سنة ، فعاشت معه خمس عشرة سنة قبل البعثة ، وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين ، وكان عمرها يومئذ خمسًا وستين سنة.

فهل من المعقول أن نحكم على إنسان أنه شهواني وقد قضى زهرة شبابه ، وعنفوان رجولته بزواجه من امرأة تزيد على عمره خمسة عشرًا عامًا ؟ إذن لماذا يسدد أعداء الإسلام سهام طعنهم لرسول الإسلام وهم يعلمون الحقيقة بأجلى معانيها .

إنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ليشفوا حقدهم القديم ، وعداوتهم اللئيمة !! فإذا عدَّد بعد أن جاوز الخمسين ، درج في سن الكهولة لحكم اجتماعيه ، وأغراض تشريعية ، أيكون قد أتي بشئ عظيم ؟.

ثمّ مَن اللواتي تزوجهن ، ألسْنَ أيامى وثيبات (9) ؟ ألسْنَ عجائز وفقيرات ؟ إذا كان الأمر كذلك ؛ فلم هذه الإثارة والضجة ؟ وَلِمَ هذا الطعن والاتهام ؟ اما يدل هذا على التعصب الأعمى ، والحقد الدفين ؟.

فياليتهم ينكلمون حين يتهمون بلسان الحث والمنطق !.

وياليتهم حين يتقولّون يزنون الأمور بميزان العقل السليم والمنهج العلمي الصحيح !.

بعد ذكر هاتين الحقيقتين أشرع في بيان الحكمة من تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي سرد الملابسات التي اقضت الجمع بين تسع نسوة في آن واحد ، وأرى أن الحكمة من هذا التعدد ، والملابسة لهذا الجمع ترتكز على الأمور التالية:

1-انتشار التعليم.

2-كسب التأييد.

3-اكتمال التشريع.

4-تحقيق التكافل.

5-توثيق روابط الصحبة.

6-إعطاء القدرة.

(1) كتاب الأبطال ص83

(2) المرأة بين الفقه والقانون ص96

(3) عن كتاب المرأة بين الفقه والقانون بتصرف يسير

(4) معنى الوصال: وصل صيام اليوم بالذي بعده دون الإفطار بينهما.

(5) أي يعينني ويقويني ، والحديث رواه البخاري ومسلم.

(6) جزء من الآية (52) سورة الأحزاب

(7) جزء من الآية (53) من سورة الأحزاب

(8) والثيب هي التي تزوجت من قبل ، ومن المعروف أن خديجة تزوجت مرتين قبل زواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم

(9) من الثابت تاريخيًا أن جميع النسوة اللاتي تزوجهن الرسول صلى الله عليه وسلم كن متزوجات من قبل ؛ عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فإنها كانت بكرًا.

أما انتشار التعليم: فيكفي أن نعلم أنّ نصف المجتمع نساء وأنهن بحاجة إلى الثقافة والتعليم كالرجال سواء بسواء ، وإن واحدة أو اثنتين أو ثلاثة لايمكن أن يقمن بدورهن في إرشاد النساء ، وتعليم البنات في المجتمع الإسلامي الجديد ؛ إذن فالأمر يتطلب أن يقوم بعض نسوة في آداء رسالتهن كمرشدات ومعلمات ، حتى يتعلم النساء كل ما ينفعنت في امور دينهن ، ولا سيما في الأمور التي يستحيين أن يسألن عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأحكام الزوجية ، ومسائل الحيض والنفاس ، وقضايا الحنابة والطهارة وغيرها.

ومن الشواهد على هذا: ماروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن مرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غُسلها من المحيض ، فأمرها أن تغتسل ثم قال ( خذي فرصة(10) فتطهري بها ) قالت: كيف أتطهر بها ؟ قال: (تطهري بها ) ، قالت: كيف ؟ قال: ( سبحان الله تطهري ) قالت عائشة: فا جذبتُها إليّ ، فقلت: ( تتبعي بها أثر الدم ) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم استحيى بأن يصرح لها بوضع القطنة المطيّبة بالمسك في المكان الذي كان يخرج منه الدم إتمامًا لطهارة ، فأخذتها عائشة وأفهمتها المراد .

وفي صحيح مسلم أن المرأة من الأنصار اسمها أسماء ، سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض ، فقال: ( تأخذ إحدكنّ ماءها وسِدْرَها(11) فتطَّهر فتحسن المطهر ، فتصب على رأسها ، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطَّهَّر بها) قالت اسماء: وكيف اتطهر بها ؟ قال: ( سبحان الله تطهري بها ! ) سبح الله تعجبًا من عدم فهمها حتى كفته زوجه عائشة ذلك .

والشواهد على ذلك كثيرة ، وليس أمر التعليم منوطًا في امور الحيض والطهارة فقط كما يفهم البعض وإنما كان يشمعل كل مايرفع من مستوى المرأة من ناحية العبادة والمعاملة والأخلاق ، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم خير مبلغ عن رسول الله في حياته ، وخير مرجع في الاستفتاء ورواية الحديث بعد وفاته.

ومن ذا الذي يقول إن زوجًا واحدة كانت تقوم بهذا العبء والواجب وحدها ؟ ومَنْ ذا الذي ينكر هذه الحقيقة بعد أن ظهر الحق ، وبان الدليل ؟.

(10) الفرصة: قطعة أو صوفة أو خرقة مطيبة بالمسك .

(11) السدر: شجر النبق ، كان يستعمل في الغسل لأنه نبات منظف كالصابون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت