فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 4557

بعد هذه التقدمة سأشرع بعون الله في بيان الحكمة من تعداد أزواجه صلى الله عليه وسلم مفصلًا الأسباب التي دعت إلى التعدد ، ومبينًا الظروف التي أحاطت بهذا الجمع ، ليعلم القارئ الكريم لماذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة في آن واحد ؟.

ولكن قبل أن أسرد الحكمة من هذا الزواج أريد أن يضع في ذهن القارئ حقيقتين هامتين:

الحقيقة الأولى: أن الجمع بين عدة زوجات كان شائعًا في البيئة الإنسانية والعربية قبل الإسلام . ومما يدل على هذا أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة ، وأن الحارث ابن قيس حين أسلم كان عنده ثمان نسوة ، وسبق أن ذكرنا في مبحث (أحكام التعدد) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهما أي يختارا منهن أربعًا ويفارقن سائرهن.

ولقد كان كثير من العرب يعددون ولا يرون في ذلك حرجًا ولا غضاضة ، فلما رأى أعداء الإسلام النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، ولم يروا العصر كله ، ولماذا خصوا الرسول عليه الصلاة والسلام بالذكر ، ولم ينظروا إلى التعدد الذي رافق أبياء التوراة عبر التاريخ؟.

يقول الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - في كتابه (2) : ( حين كنت في دبلن(ايرندا) عام /1956 / زرت مؤسسة الآباء اليسوعيين فيها ، وجرى حديث طويل بيني وبين الأب المدير لها ، وكان مما قلته له: لماذا تحملون على الإسلام ونبيه بخاصة في كتبكم المدرسة بما لا يصلح أن يقال في مثل هذا العصر ، الذي تعارفت فيه الشعوب والتقت الثقافات؟!

فأجابني: نحن الغربيين لا نستطيع أن نحترم رجلًا تزوج تسع نساء ! ..

قلت له: هل تحترمون نبي الله داود ، ونبيه سليمان ؟.

قال: نعم! وهما عندنا من أنبياء التوراة !

قلت: إن النبي داود كانت له مائة زوجة كما هو معلوم ، ونبي الله سليمان كانت له - كما جاء في التوراة - سبعمائة زوجة من الحرائر ، وثلاثمائة من الجواري ، وكن أجمل أهل زمانهن ، فَلِمَ يستحق احترامكم من تزوج ألف امرأة ، ولا يستحق من يتزوج تسعًا ؟ ثمانية منهن ثيبات وبعضهن عجائز ، والتاسعه هي الفتاة البكر الوحيدة التي تزوّجها طيلة عمره .

فسكت قليلًا وقال: لقد أخطأت التعبير ، أنا أقصد أننا نحن الغربيين لا نستسيغ الزواج بأكثر من امرأة ، ويبدو لنا أن من يعدد الزوجات غريب الأطوار ، أو عارم الشهوة !.

قلت: فما تقولون في داود وسليمان - عليهما السلام - وبقية أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا جميعًا معددين الزوجات بدءًا من جدهم إبراهيم عليهم السلام.

فسكت ولم يُحِرْ جوابًا ..) (3) .

ورب سائل يقول: لماذا جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين تسع نسوة ، بينما كان التشريع الذي شرعه الله للأمة مقيدًا بأربع زوجات.

الجواب: إن جمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين تسع نسوة في وقت واحد كان خصوصية من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ، وهذه خصوصية خاصة به لايجوز لأحد من الأمة أن يقتدي بالإضافخ إلى خصوصياته الكثيرة التي عددتها كتب السنة ، وتكلم عنها الفقهاء والمفسرون .

نذكر منها على سبيل المثال وصاله عليه الصلاة والسلام الصوم (معنى الوصال: وصل صيام اليوم بالذي بعده دون الإفطار بينهما. ) ، ولما واصل الصحابة نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الوصال (4) ، ثم قال لهم: ( إني لست مثلكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني(5) .. )

ومن خصوصياته أنه لا يحل له أن يتزوج على نسائه التسع أو يطلق واحدة منهن ، مكافأة لهن على اختيارهن مرضاة الله ورسوله ، وثواب الدار الآخرة على نعيم الحياة الدنيا وزينتها ، ودليل هذا التحريم قوله تعالى {لاّ يَحِلّ لَكَ النّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدّلَ بِهِنّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنّ ..} (6)

ومن خصوصياته: أنه لا يحل لأحد من المسلمين أن يتزوج بعد وفاته صلى الله عليه وسلم واحدة من نسائه؛ لأنهن أمهات المؤمنين ، قال تعالى { .. وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوَاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا .. } (7) .

إلى غير ذلك من هذه الخصوصيات التي ذكرها العلماء ، وعددها المجتهدون . وإذا كان من وراء كل خصوصية حكمة وقصة ، فعمّا قريب سيجد القارئ الحكمة من تعدد أزواجه عليه الصلاة والسلام ، وقصته ، عليه السلام مع كل زوجة تزوجها .

الحقيقة الثانية: زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بأكثر من واحدة كان في المدينة وفي سن الكهولة. فمن المعلوم تاريخيًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بعد وفاة السيدة خديجة - رضي الله عنها - إلا سوداء بنت زمعه وإلى أن هاجر إلى المدينة ولم يعدّد إلا بعد أن ولِدت الدولة الإسلامية ، وقامت على أرجلها قوية متينة ، وكان لهذا التعدد أغراض إصلاحية وتشريعية سنذكرها في حينها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت