(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم ، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ؛ فكأنه قال: أذن في القتال ، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: (ولولا دفع الله الناس) الآية ؛ أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه ؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذي يذب عنه. وأيضًا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى ؛ أي لولا هذا الدفع لهُدمت في زمن موسى الكنائس ، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع ، وفى زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد."لهدمت"من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية" (30) ."
ثانيًا: الناحية التطبيقية
(1) حروب النبي صلى الله عليه وسلم:
(أ) الحرب ظاهرة اجتماعية:
الحرب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان على ظهر هذه البسيطة ، فمنذ وُجد الإنسان وهو يصارع ويحارب ، وكعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية نشأت الحرب ، فالاحتكاك بين البشر لابد وأن يُوَلِّد صدامًا من نوع ما ، لقد جبل الإنسان على غريزة التملك التي تدعوه إلى التشبث بما يملكه ، حيث إن هذه الغريزة هي التي تحفظ عليه البقاء في الحياة ، وهى بالتالي التي تتولد عنها غريزة المقاتلة ، في أبسط صورها دفاعًا عن حقه في الاستمرار والحياة ، وقد تتعقد نفسية الإنسان وتصبح حاجاته ومتطلباته مركبة ، فلا يقاتل طالبًا للقوت أو دفاعًا عنه فقط ، وإنما يقاتل طلبًا للحرية ورفعًا للظلم واستردادا للكرامة. ويُفَصِّل العلامة ابن خلدون هذه الحقيقة في مقدمته فيقول:"اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله ، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته ، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان ؛ إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع ، كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر ، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه ، وإما غضب للملك وسعى في تمهيده" (31) .
(ب) الحرب في الكتب المقدسة قبل الإسلام:
إذا ما تجاوزنا الأمم والحضارات البشرية ، وتأملنا في الكتب السماوية المقدسة (التوراة ـ الإنجيل) ، نرى أن هذه الكتب المقدسة قد تجاوزت الأسباب المادية الغريزية التي يقاتل الإنسان من أجلها إلى أسباب أكثر رُقِيًّا وحضارة ، فبعد أن كان الإنسان يقاتل رغبة في امتلاك الطعام أو الأرض ، أو رغبة في الثأر الشخصي من الآخرين ، أو حتى ردا للعدوان ، نرى أن الكتب المقدسة قد أضافت أسبابًا أخرى ، أسبابًا إلهية تسمو بالبشرية عن الدنايا وظلم الآخرين ، إلى بذل النفس إقامة للعدل ، ونصرة للمظلوم ، ومحاربة للكفر والخروج عن منهج الله ، لقد حددت الكتب السماوية المناهج والأطر التي يُسْمَح فيها بإقامة القتال وعبرت بالإنسان مرحلة بناء المجد الشخصي المؤسس على الأنا ، إلى مرحلة التضحية من أجل المبادئ والمثل الإلهية العليا ، التي تعمل في إطار الجماعة البشرية لا في محيط الفرد الواحد.
الحرب في العهد القديم:
وردت أسباب الحرب في ست وثلاثين آية تقع في ثمانية أسفار من أسفار العهد القديم هي: (التكوين ـ العدد ـ التثنية ـ يوشع ـ القضاة ـ صموئيل الأول ـ الملوك الثاني ـ حزقيال) .
(1) ففي سفر العدد ـ الإصحاح الثالث عشر ، ورد ما يفيد أن موسى ـ عليه السلام ـ بعد خروجه بقومه من مصر بعث رسلا يتحسسون أمر أرض كنعان ـ فلسطين ـ ليستقروا فيها:
"فساروا حتى أتوا موسى وهارون وكل جماعة بنى إسرائيل إلى برية فاران إلى قادش ، وردوا إليهما خبرًا وإلى كل الجماعة ، وأروهم ثمر الأرض وأخبروه ، وقالوا: قد ذهبنا إلى الأرض التي أرسلتنا إليها وحقا إنها تفيض لبنًا وعسلًا وهذا ثمرها غير أن الشعب الساكن في الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جدًا وأيضا قد رأينا بنى عناق هناك" (32) .
(2) وجاء في سفر صموئيل الأول ـ الإصحاح الخامس والعشرون:
"فأجاب نابال عبيد داود وقال: من هو داود ومن هو ابن يسى قد كثر اليوم العبيد الذين يفحصون كل واحد من أمام سيده ، أآخذ خبزي ومائي وذبيحي الذي ذبحت لجارى وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم ؟ فتحول غلمان داود إلى طريقهم ورجعوا وجاءوا وأخبروه حسب كل هذا الكلام ، فقال داود لرجاله: ليتقلد كل واحد منكم سيفه وتقلد داود سيفه وصعد وراء داود نحو أربعمائة رجل ومكث مائتان مع الأمتعة" (33) .
(3) وفى سفر الملوك الثاني ـ الإصحاح الثالث: