فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 4557

وقال تعالى - أيضا - { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها} محمد (10) .

الورقة الثانية: نماذج وقصص قرآنية تقرر انتصار الحق على الباطل .

وتشتمل على العناوين التالية:

أولًا: انتصار الله لأنبيائه ورسله .

ثانيًا: انتصار الله لطالوت على جالوت .

ثالثًا: انتصار الله للروم على الفرس .

رابعًا: انتصار الله لبيته الحرام .

أولًا: انتصار الله لأنبيائه ورسله

لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ، قصصًا لعدد من أنبيائه ورسله ، في معرض مواجهتهم لأقوامهم ، وما لا قوه في سبيل دعوتهم من المشاق ، والمصاعب ، والأذى .. وما تعرضوا له من ابتلاءات عدة كادت تودي بحياتهم لولا تدخل يد القدرة الإلهية في إنجائهم ، وانتصارهم في نهاية الأمر على أقوامهم ، وتخلصهم من الأذى الملحق بهم .

وهذه القصص مفادها العظة والعبرة ، والاستفادة منها في كل زمان ومكان بحسبة ، وهي دروس يستشف منها المسلم ما يعينه على مواصلة المسير مهما اشتد عليه البلاء ، فله في الأنبياء مَثَلٌ وقدوة ، وله في قصصهم عظة وعبرة .

وفي هذا الباب سنقتصر على ما حدث لأولي العزم من الرسل - على وجه الإيجاز - ونبين من خلال العرض القرآني كيف تدخلت يد القدرة الإلهية لانتصار هؤلاء الرسل وإنجائهم من أذى أقوامهم .

* انتصار الله تعالى لسيدنا نوح عليه السلام .

ذكر الله تعالى في كتابه الكريم قصة نوح عليه السلام - في أكثر من موضع - وبينت الآيات مدى الجهد الذي بذله سيدنا نوح عليه السلام في تبليغ رسالة ربه إلى قومه ، وما لاقاه في سبيل دعوته مما بينته الآيات الكريمة .. كما ذكرت الآيات نهاية هذا الجهد النبوي بانتصار الله لنوح عليه السلام ولمن آمن معه ، وإهلاك الله تعالى للكافرين .

قال تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح . فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر ، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر ، وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كفر ، ولقد تركناها آية فهل من مدكر، فكيف كان عذابي ونذر ، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } القمر (9-17) .

وقال تعالى: { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ، تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ، فاصبر ، إن العاقبة للمتقين } هود (48،49) .

"إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن .."

إن هذه الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون ، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض ! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد ..

.. وهذا أمر خطير ..

إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها ، والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة، كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل .. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلًا أمام هذا الأمر الخطير ، وأمام دلالته التي تستحق التدبير والتفكير!

إن وجود البذرة المسلمة أمر عظيم في ميزان الله تعالى .. شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا،كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنمو وترث الأرض وتعمرها من جديد!

لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه ، كما قال تعال: { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ..

وعندما لجأ نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترون عليه كما قال تعالى في سورة القمر: { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر . فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } ..

عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه"مغلوب"ويدعو ربه أن"ينتصر"هو وقد غلب رسوله .. عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب:

{ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر } ..

وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع المرهوب .. كان الله سبحانه - بذاته العليّة- مع عبده المغلوب: {وحملناه على ذات ألواح ودسر . تجري بأعيننا .. جزاءً لمن كان كفر ..} .

هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية ، وحين"تغلبها"الجاهلية !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت