إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة .. وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى ! { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ..
وإنه ليس عليها وإلاّ أن تثبت وتستمر في طريقها ، وإلاّ أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه ، وإلاّ أن تصبر حتى يأتي الله بأمره ، وإلاّ أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه ، إلاّ فترة الإعداد والابتلاء ، وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها ويصنع بها في الأرض ما يشاء .
.. وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم ..
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية ، كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه: { أني مغلوب فانتصر } ..
إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة .. إن الجاهلية تملك قواها .. ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب !
وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله .. ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عامًا ، قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله . ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلاّ اثني عشر مسلمًا .. ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة والتدمير على البشرية الضالة جميعًا، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها .
إن عصر الخوارق لم يمض ! فالخوارق تتم في كل لحظة - وفق مشيئة الله الطليقة - ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى ، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها . وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا ، ويلامسون آثارها المبدعة .
والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلاّ أن يؤدوا واجبهم كاملًا ، بكل ما في طاقتهم من جهد ، ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة . وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} .. ثم ينتظروا فرج الله القريب . وانتظار الفرج من الله عبادة ، فهم على هذا الانتظار مأجورون." (20) "
* انتصار الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام .
دعى إبراهيم -عليه السلام - قومه ، ولم يترك وسيلة أو حجة أو برهان إلا وعرضه على قومه . ولكنهم قابلوا هذة الدعوة الكريمة بالرفض ، والإصرار على الكفر ، حتى من أقرب الناس إليه .. ثم حاولوا التخلص منه بإحراقه ، ولكن الله تعالى كان لهم بالمرصاد ، فنجى الله تعالى خليله ونبيه ابراهيم - عليه السلام - ورد كيد الكافرين ، بل وألحق بهم الخسارة في الدنيا والآخرة .
وإليك طرفًا من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه يحكيها رب العزة في كتابه ..
قال تعالى - في معرض قصة إبراهيم عليه السلام -: { أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ، قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون ، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ، قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئًا ولا يضركم ، أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ، قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين ، قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم ، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين } الأنبياء ( 62 - 69) .
* وقال تعالى - في موضع آخر -: { فما كان جواب قومه إلاّ أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه فأنجاه الله من النار ، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } العنكبوت (24) .
* وقال تعالى - كذلك -: { قالوا ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم ،فأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأسفلين} الصافات (97-98) .
"إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف الطغاة منطقًا سواه ، عندما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل . وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان المبين ."
ويختصر السياق هنا - أي في الآية الأخيرة - ما حدث بعد قولتهم تلك ، ليعرض العاقبة التي تحقق وعد الله لعباده المخلصين ووعيده لأعدائهم المكذبين: { فأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأسفلين } ..
وأين يذهب كيد العباد إذا كان الله يريد ؟ وماذا يملك أولئك الضعاف المهازيل - من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء - إذا كانت رعاية الله تحوط عباده المخلصين ؟.." (21) ."
" { وقالوا حرّقوه } ولكن كلمة أخرى قد قيلت .. فأبطلت كل قول ، وأحبطت كل كيد ، ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد: { قلنا: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم } .."
فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم ..
كيف ؟