لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة ، ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك السر المغيب من قدر الله ، وهذا القدر الظاهر من سنته ، وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
لقد كان لهذه الأمم من الحضارة ، وكان لها من التمكين في الأرض ، وكان لها من الرخاء والمتاع ، ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ، مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ، مخدوعة بما هي فيه، خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء ..
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم ، وهي لا تعبد الله او لا تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص الألوهية ، وهي تعيث في الأرض فسادًا ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله ..
-ويتابع سيد قطب رحمه الله - في ظلاله حول هذه الآيات فيقول عن نفسه:
"ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } .. فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية .. مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! .. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك !"
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على"الرجل الأبيض"وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود بالأرض كلها حتى صار علمًا على الصلف العنصري . بينما الأمريكي البيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين ..
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين:
{ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } ..
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والإنحلال الخلقي .. الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ، وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة أو شذوذ .. وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف !
وليس هذا كله إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج ) .. ثم تلا: { فلما نسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} .. ( رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ) .
غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) .. ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .. فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حبنئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون .. والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية .. هذا هو الحق الأول والحق الأصيل .. { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } .." (19) "
وهكذا تتكرر هذه الآيات والمشاهد في القرآن الكريم تدعو الناس للنظر والتأمل ، وأخذ العبرة والعظة ، ويلمح المؤمن منها تثبيتًا لفؤاده ، وطمأنة لقلبه، ويرى آثار قدرة الله تعالى تصيب الكافرين ، وتهلك الظالمين على قوتهم وكثرتهم .
ولهذا فلا تغرنك قوة الباطل ولا صولته ، فإنه لا يعجز الله تعالى الذي يقول في كتابه:
{ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغرنك تقلبهم في البلاد ، كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } غافر (4،5) .
فهذا هو مصير الكافرين على مر الزمان إذا ما أصروا على كفرهم ، وعلى تكذيبهم بالرسالة ، وعلى مواجهتهم للحق ، فهي سنة ثابتة متكررة لا تتغير ولا تتبدل ..
قال تعالى: { ألم نهلك الأولين ، ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل يومئذ للمكذبين } المرسلات (16-19) .