فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 4557

وقد ذكر القرآن نموذجًا محددًا من هذه الأمم ، ومن البأساء والضراء التي أخذها بها .. في قصة فرعون وملئه: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا: لنا هذه ، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات ، فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين } الأعراف (130-133) .

وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية ..

لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ، وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم ، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ، ويتذللون له ، وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة ، فيرفع الله عنهم البلاء ، ويفتح لهم أبواب الرحمة .. ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريًا أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله ، ولم يرجعوا عن عنادهم ، ولم ترد إليهم الشدة وعيهم ، ولم تفتح بصيرتهم ، ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد:

{ ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ..

والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه ، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة ، التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة .. والشدة ابتلاء من الله للعبد ، فمن كان حيًا أيقضته ، وفتحت مغاليق قلبه ، وردته إلى ربه ، وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه .. ومن كان ميتًا حسبت عليه ، ولم تفده شيئًا ، وإنما أسقطت عذره وحجبته ، وكانت عليه شقوة ، وكانت موطئة للعذاب !

وهذه الأمم التي يقص الله -سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من أمته .. لم تفد من الشدة شيئًا . ولم تتضرع إلى الله ، ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد .. وهنا يملي لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء:

{ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ، فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين } ..

إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة ، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء . بهذه وبذاك سواء .. والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء فيشكر . ويكون امره كله خير .. وفي الحديث: ( عجبًا للمؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) (رواه مسلم ) .

فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما نسوا ما ذكروا به ، وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا .. فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء..

والتعبير القرآني { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } .. يصور الأرزاق والخيرات ، والمتاع ، والسلطان .. متدفقة كالسيول، بلا حواجز ولا قيود ! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة!

{ حتى إذا فرحوا بما أوتوا } ..

وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة ، واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق، وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها .. عندئذ جاء موعد السنن التي لا تتبدل:

{ أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } ..

فكان أخذهم على غرة ، وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعوا الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى أخر واحد منهم

{ فقطع دابر القوم الذين ظلموا } ..

دابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! .. و { الذين ظلموا } تعني هنا الذين أشركوا .. كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين ..

{ والحمد لله رب العالمين } ..

تعقيب على استئصال الظالمين ( المشركين ) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين .. وهل يحمد الله على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين ، أو على رحمة ، أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت