فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 4557

فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة {كانوا أشد منهم قوة} .. { وأثاروا الأرض } .. فحرثوها وشقوا عن باطنها ، وكشفوا عن ذخائرها {وعمروها أكثر مما عمروها } فقد كانوا أكثر حضارة من العرب ، وأقدر منهم على عمارة الأرض .. ثم وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه: { وجاءتهم رسلهم بالبينات } .. فلم تتفتح بصائرهم لهذه البينات ، ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق . فمضت فيهم سنة الله في المكذبين ، ولم تنفعهم قوتهم ، ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم، ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: {فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .." (18) "

والله تعالى قد يملى للقرية الظالمة ويمهلها ، ثم يأخذها بعذاب من عنده ، كما فعل الله ببعض القرى السابقة حينما كذبوا برسلهم ، وفي هذا ما يطمئن قلوب المؤمنين كما طمأن الله رسوله الكريم من قبل بقوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ، وكذب موسى ، فأمليت للكافرين ثم أخذتهم ، فكيف كان نكير ،فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } الحج (42-46) .

وبمثل هذه الآيات خاطب الله رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر فقال تعالى:

{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا أن جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } الأنعام (42-45)

"إنها لمواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه ، نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله ، وكيف تكون عاقبة تضرعهم له ، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة ، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ، فإذا نسوا ما ذكروا به ، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع إليه ، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى منه صلاح ، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار الذي لا ينجو معه ديار .."

{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ، فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا أن جاءهم بأسنا تضرعوا ، ولكن قست قلوبهم ، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ..

ولقد عرف الواقع البشري كثيرًا من هذه الأمم ، التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها ، قبل أن يولد"التاريخ"الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ، وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة ، والمحركة للتاريخ البشري ، والتي يكمن بعضها في أغوار النفس ، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها . وهذا البعض يخطئ البشر في جمعه ، ويخطئون في تفسيره ، ويخطئون أيضًا في تمييز صحيحه من زائفه - إلا قليلا - ودعوى أي بشري أنه أحاط بالتاريخ البشري علمًا ، وانه يملك تفسيره تفسيرًا"علميًا"، وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضًا .. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي: إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك مستساغًا .. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ؟ !

والله يقول الحق ، ويعلم ماذا كان ، ولماذا كان . ويقص على عبيده- رحمة منه وفضلا - جانبًا من أسرار سنته وقدره ، ليأخذوا حذرهم ويتعظوا، وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ، يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرًا كاملًا صحيحًا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ن استنادًا إلى سنة الله التي لا تتبدل .. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها ..

وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى .. أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم .. البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون"عذاب الله"التي تحدثت عنه الآية السابقة ، وهو عذاب التدمير والاستئصال ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت