وفي رواية لابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة ، قال: لما نزلت { سيهزم الجمع ويولون الدبر } قال عمر: أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فعرفت تأويلها يومئذ !") 17) ."
* ومنها قوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ، ساء ما يحكمون } العنكبوت (4) .
* وقوله تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } الشعراء (227) .
* وقوله تعالى: { إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين } المجادلة (20) .
* وقوله تعالى: { فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} الصف (14) .
* وقوله تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } النحل ( 26) .
والآيات في هذا الباب كثيرة ، والعبرة بما تدل عليه ، وما تلقيه في النفس المؤمنة من الظِلال .. ظلال الطمأنينة .. والثقة بنصر الله تعالى وتأييده للمؤمنين .. وهزيمته وسحقه للكافرين .
خامسًا: بيان سنة الله في أخذ الكافرين والظالمين .
دعانا الله تعالى في كثير من آياته إلى السير في الأرض ، لمعرفة سنته تعالى في أخذ الكافرين والظالمين ، وذكّرنا بمصارع الغابرين ، والأقوام السابقين . ليبين الله تعالى لنا أن هذه هي سنته في أخذ الكافرين في كل زمان ومكان ، مهما عظمت دولتهم ، وقويت شوكتهم ، ذلك أنهم لما نسوا الله تعالى هانوا عليه فأهلكهم ، ومضت قصصهم عبرة لكل متجبر ومتكبر وظالم ، وبقيت آثارهم عظة لكل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. حتى يعلم المؤمن أن أهل الباطل مهما بلغت قوتهم ، وصالوا وجالوا فلن يعجزوا الله تعالى .. فإن الله لهم بالمرصاد .. وما هو بالإهمال لهم بل هو الإمهال والإملاء حتى يحين أجل الله وموعده بأخذهم وإهلاكهم وزوالهم وذهابهم كما مضى بذلك سلف الأولين:
{ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } الشعراء (227) .
-أما إن إهلاك الكافرين والظالمين سنة من سنن الله تعالى فهذا مقرر في قوله تعالى: { ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ، فهل ينظرون إلاّ سنة الأولين ، فلن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا } فاطر (43) .
-وأما دعوة الله تعالى لنا بالسير في الأرض ، والنظر في حال الأمم السابقة التي أهلكها الله ، ففي آيات كثيرة منها:
قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ، وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليمًا قديرًا} فاطر (44) .
وقوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارًا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ، ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} غافر (21،22) .
وقوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة . وآثارًا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } غافر (82) .
وقوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } الروم (9) .
وفي هذه الآيات:"دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين ، وهم ناس من الناس ، وخلق من خلق الله ، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية . فسنة الله هي سنة الله في الجميع . وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود ، بلا محاباة لجيل من الناس ، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب . حاشا لله رب العالمين !"
وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون ، كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته ، وقيمه وتصوراته ، ويغفل عن الصلة الوثيقة من أجيال البشر جميعًا ، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعًا ، ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعًا .