فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 4557

"وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل . كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال . وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين ."

وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب . لأنه ليس منه تحديد . والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد .. أما بالنسبة للدنيا، فإن الظواهر أحيانًا قد توحي بغير هذا .. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق:

إنه وعد من الله قاطع . وحكم من الله جامع: أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين ، وتمثلت في واقع حياتهم منهجًا للحياة ، ونظامًا للحكم ، وتجردًا لله في كل خاطرة وحركة ، وعبادة الله في الصغيرة والكبيرة.. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ..

وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها !" (14) "

* وقال تعالى - كذلك -: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئًا وسيحبط أعمالهم } محمد (32) .

وهذا قرار من الله مؤكد ، ووعد منه واقع: إن الذين كفروا ، ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس ، وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع أو أي وسيلة من الوسائل ، وشاقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته بإعلان الحرب عليه ، والمخالفة عن طريقه، والوقوف في غير صفه . أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه والمتبعين لسنته والقائمين على دعوته . وذلك { من بعد ما تبين لهم الهدى } .. وعرفوا أنه الحق ، ولكنهم اتبعوا الهوى ، وجمح بهم العناد، وأعماهم الغرض ، وقادتهم المصلحة العاجلة ..

قرار من الله مؤكد ، ووعد من الله واقع أن هؤلاء { لن يضروا الله شيئا ً} .. وهم أضأل وأضعف من أن يذكروا في مجال إلحاق ضرر بالله سبحانه وتعالى . فليس هذا هو المقصود . إنما المقصود أنهم لن يضروا دين الله ولا منهجه ولا القائمين على دعوته . ولن يحدثوا حدثًا في نواميسه وسننه . مهما بلغ من قوتهم ، ومهما قدروا على إيذاء بعض المسلمين فترة من الوقت . فإن هذا بلاء وقتي يقع بإذن الله لحكمة يريدها وليس ضررًا حقيقيًا لناموس الله وسنته ونظامه ونهجه وعباده القائمين على نظامه ونهجه . والعاقبة مقررة: { وسيحبط أعمالهم } .. فتنتهي إلى الخيبة والدمار . كما تنتهي الماشية التي ترعى ذلك النبات السام !". (15) "

وبمثل هذا التقرير ذكّر الله تعالى نبيه الكريم - في أعقاب غزوة أحد - في قوله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئًا ، يريد الله ألا يجعل لهم حظًا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا ، ولهم عذاب أليم ، ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرًا لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب مهين } آل عمران (176-178) .

"إن ذهاب الباطل ناجيًا في معركة من المعارك . وبقاءه منتفشًا فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب أو بحيث يضر الحق ضررًا باقيًا قاضيًا .."

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه ..

كلا إنما هي حكمة وتدبير .. هنا وهناك .. يملي للباطل ليذهب إلى نهاية الطريق ، وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب باستحقاق ! .. ويبتلي الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظم الأمر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت .. فهو الكسب للحق والخسارة للباطل ، مضاعفًا هذا وذاك ! هنا وهناك !" (16) "

ولقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله: تطمئن المؤمنين ، وتعدهم بنصر الله ، وتؤكد وتقرر لهم هزيمة الكافرين ، وتبين أن هزيمتهم محققة لا شك فيها ولا جدال ..

ومن هذه الآيات:

* قوله تعالى: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } القمر (45) .

"فلا يعصمهم تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم . والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار .. ولقد كان ذلك كما لا بد أن يكون ‍!‍"

‍‍وقال البخاري بإسناده إلى ابن عباس: إن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال وهو في قبة له يوم بدر: ( أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدًا ) . فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده ، وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك ‍ فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر ..} .‍‍‍‍‍‍‍‍‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت