المناقشة: يناقش بأنه حديث عام، وهناك أحاديث خاصة تنصّ على انتهاء الوقت قبل طلوع الفجر، إما إلى النصف أو الثلث، فلم لا يحمل العام على الخاص، وتستثنى صلاة العشاء بالحديث؛ كما استثنيت الفجر بالإجماع. خاصة وأنه لم يرد حديث ينص على استمرار وقت العشاء إلى الفجر، كما ورد في العصر. بل إن ظاهر قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [1] يدل على أن وقت العشاء لا يتصل بالفجر، بل يشير -من خلال حرف الغاية- إلى اتصال أوقات الصلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وغسق الليل أشدّ ساعاته ظلمة؛ وهو منتصفه. فما بعد الغاية خارج عما قبلها، ولذلك فَصَل الله الفجر وجعله مستقلا، فقال: {وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ} [2] فلا يتصل أوله بما قبله من الصلوات، ولا آخره بما بعده [3] .
الدليل الثاني: قول الصحابيين: عبدالرحمن بن عوف [4] ، وعبدالله بن عباس - رضي الله عنهم: إذا طهرت الحائض قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر صلت المغرب والعشاء [5] .
(1) سورة الإسراء. آية (78) .
(2) الآية السابقة.
(3) انظر: الشرح الممتع (2/ 115) ومعرفة أوقات العبادات، للمشيقح (1/ 283) .
(4) عبدالرحمن بن عوف: هو أبو محمد عبدالرحمن بن عوف بن عبدعوف الزهري القرشي. أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى بعد عمر الذين أخبر عنهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو عنهم راض، أسلم على يد أبي بكر، وكان أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى دومة الجندل إلى كلب وأوصاه إن فتحها الله عليه أن يتزوج ابنة شريفهم؛ فتزوج تماضر بنت الأصبغ الكلبية فولدت له أبا سلمة. صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه في سفر، واستخلفه عمر على الحج سنة ولي الخلافة. كان من أثرياء الصحابة؛ كثير الإنفاق في سبيل الله. توفي بالمدينة سنة 31 هـ وصلى عليه عثمان، وقيل: الزبير؛ ودفن بالبقيع. له في مسند بقي بن مخلد 65 حديثًا؛ منها في الصحيح 7 أحاديث. (انظر: طبقات ابن سعد 3/ 66 برقم 38 وأسد الغابة 3/ 141 برقم 3370 وسير أعلام النبلاء 1/ 68 والإصابة 4/ 290 برقم 5195) .
(5) أثر عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه: رواه عبدالرزاق (كتاب الحيض/ باب صلاة الحائض/ أثر 1285/ ج 1/ ص 333) من طريق ابن جريج قال: حُدثت عن عبدالرحمن بن عوف، فذكره .. وهو ضعيف، لجهالة الراوي عن عبدالرحمن بن عوف.
وابن أبي شيبة (3 - كتاب الصلوات/ 619 - في الحائض تطهر آخر النهار/ أثر 7204/ ج 2/ ص 123) والبيهقي (كتاب الصلاة/ باب قضاء الظهر والعصر بإدراك وقت العصر، وقضاء المغرب والعشاء بإدراك وقت العشاء/ ج 1/ ص 387) كلاهما من طريق مولى لعبدالرحمن بن عوف عن عبدالرحمن بن عوف. قال ابن التركماني: هذا المولى مجهول. (الجوهر النقي: 1/ 386 - 378) .
وأما أثر ابن عباس - رضي الله عنه: فقد رواه ابن أبي شيبة (في نفس الموضع السابق: أثر 7206) من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس.
والبيهقي (في الموضع السابق) من طريق يزيد بن أبي زياد عن طاووس عن ابن عباس، ومن طريق ليث بن أبي سليم عن طاووس وعطاء عن ابن عباس.
أما إسناد ابن أبي شيبة فعلله كثيرة: هشيم ثقة ثبت كثير الإرسال والتدليس الخفي (انظر: تقريب التهذيب. ص 574. برقم 7312) قال أحمد: لم يسمع من يزيد بن أبي زياد، وقد حدّث عنه (انظر: تهذيب التهذيب: 4/ 280 - 281) . ويزيد بن أبي زياد: هو القرشي الهاشمي، ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا (انظر: تقريب التهذيب. ص 601. برقم 7717) . وأما مقسم، فصدوق يرسل (انظر: تقريب التهذيب. ص 545. برقم 6873) .
وأما إسناد البيهقي فقد ضعف ابن التركماني ليث بن أبي سليم. (الجوهر النقي: 1/ 387) . وهو ابن زنيم، صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فتُرك. (انظر: تقريب التهذيب. ص 464. برقم 5685) .
والحاصل أن الأثرين ضعيفان.