الموقف الخامس: حمله على السفر [1] .
واستند من قال بهذا القول على ما جاء في طريق قرة بن خالد [2] عن أبي الزبير عن سعيد عن ابن عباس: أن ذلك كان في سفر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين غزا تبوك.
وأجيب: بأن أكثر الرواة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - ذكروا أن الجمع كان بالمدينة، وهم أكثر وأحفظ [3] .
الموقف السادس: حمله على المرض. وهو قول لأحمد [4] ؛ واختاره الخطابي والنووي [5] .
وهو مردود لأوجه:
1/ لو كان جمعه - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين لمرض، لما صلى معه إلا من به نحو ذلك المرض؛ والظاهر أن جمعه كان مع أصحابه - رضي الله عنهم -.
2/ كيف يستدل ابن عباس - رضي الله عنهم - بالجمع للمرض على فعله يوم خطبته؟! وكيف يقرّه أبو هريرة - رضي الله عنه - على ذلك؟! [6]
وبعد. فإن حاصل القول وخلاصة الكلام: أن النفس مطمئنة والصدر منشرح للقول بجواز الجمع للحاجة [7] .
(1) انظر: فتح الباري، لابن رجب (3/ 92) .
(2) قرة بن خالد: الحافظ الحجة أبو خالد أو أبو محمد قرة بن خالد السدوسي البصري. ثقة ضابط روى عن محمد بن سيرين، والحسن البصري، ومعاوية بن قرة، وعمرو بن دينار. مات سنة 154 هـ. (انظر: سير أعلام النبلاء 7/ 95 وتقريب التهذيب ص 455 برقم 5540) .
(3) انظر: فتح الباري، لابن رجب (3/ 92) .
(4) انظر: المغني (3/ 138) وفتح الباري، لابن رجب (3/ 92) .
(5) انظر: شرح صحيح مسلم (5/ 218) وفتح الباري، لابن حجر (2/ 33) ونيل الأوطار (2/ 473) .
(6) انظر: فتح الباري، لابن حجر (2/ 33) ونيل الأوطار (2/ 473) .
(7) قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تحقيقه لسنن الترمذي (358 - 359) :"وفي الأخذ بهذا القول يرتفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين؛ ويتأثمون من ذلك ويتحرجون؛ ففي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة، ما لم يتخذه عادة، كما قال ابن سيرين"اهـ.
وقال الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- في تحقيقه لمختصر سنن أبي داود للمنذري (2/ 55) :"هذا أعدل الأقوال وأوفقها لحكمة الشريعة، فإن معنى قول ابن عباس:"أراد أن لا يحرج أمته"-والله أعلم- عدم إحراجها بخروج مؤخر صلاة النهار عن وقتها إلى وقت أختها من صلاتي النهار والليل -هكذا لفظه رحمه الله، ولعله أراد الخروج من الإسلام-، لأن الثابت عن الله ورسوله وإجماع الصحابة -كما رواه ابن حزم وابن القيم- أن من أخّر الصلاة عن وقتها فقد ضيّعها، ومن ضيّعها كفر، فكانت التوسعة بذلك، حتى تكون صلاة النهار بالنهار وصلاة الليل بالليل ليس تضييعًا يفضي إلى الكفر. كما روي في كتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في أول خلافته لعماله:"واعلموا أن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل"والله أعلم"اهـ.