أدلة القول الخامس:
الدليل الأول: عموم النصوص الواردة في السفر، كقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [1] .
وجه الدلالة: أن الله أباح القصر لكل من ضرب في الأرض ولم يقيّده بمسافة محددة، فيبقى على إطلاقه. وأما الخوف فخرج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" [2] فصارت رخصة في كل سفر [3] .
الدليل الثاني: أن أهل مكة كانوا يقصرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في منى وعرفات ومزدلفة، وأقربها إلى مكة منى؛ حيث تبعد عنها فرسخًا [4] -يعني: ثلاثة أميال-، لكنهم كانوا يتزودون لذلك ويعدّون عدتهم. وبالمقابل كانت مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنزلة القرى المتقاربة، لكل قوم نخيلهم ومساجدهم ومقابرهم، فلم يكن خروج الخارج إلى قباء سفرًا يتأهب له ويأخذ لأجله عدته، ولهذا لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - يقصرون إذا خرجوا إلى قباء، مع أنه على مسافة ميلين من المدينة [5] ، فهل يُظن أن الفارق بين السفر وعدمه ميل واحد؟! [6] .
الدليل الثالث: أنه لم يرد تحديد للسفر في الكتاب ولا في السنة، فكان المرجع في ذلك العرف، فما عدّه العرف سفرًا فهو سفر؛ وإلا فليس بسفر [7] .
المناقشة: يناقش بأن أعراف الناس تختلف؛ فربما كانت المسافة القصيرة عند بعضهم سفرًا؛ وكانت التي أطول منها عند آخرين لا تعد سفرًا.
الجواب: يجاب بأن العبرة بعرف أوساط الناس. فإن أشكل هل العرف يعدّ هذا الخروج
(1) سورة النساء. آية (101) .
(2) رواه مسلم (6 - كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ 1 - باب صلاة السافرين وقصرها/ حديث 686/ ص 347) .
(3) انظر: المغني (3/ 109) .
(4) انظر: معجم البلدان (5/ 198) .
(5) انظر: معجم البلدان (4/ 302) .
(6) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 14 - 15) .
(7) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 40 - 41) .