القول الرابع: لا يترخص إلا في حج أو عمرة أو جهاد، وهو مروي عن ابن مسعود [1] ، وهو مذهب الظاهرية إلا ابن حزم [2] .
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عموم قول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [3] وكذا عموم النصوص الواردة في رخص السفر.
وجه الدلالة: أن الرخصة أُطلقت ولم تُقيّد بسفر دون سفر؛ مع أن الشارع يعلم أن من السفر ما هو طاعة ومنه ما هو معصية [4] .
المناقشة: نوقش بأن الله قيّد الرخص أن لا يراد بها المعصية؛ في موضع أشد من هذا؛ في مثل قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [5] . قال مجاهد [6] وغيره: الباغي: الخارج على السلطان والأمة؛ والعادي: قاطع الطريق العادي على ابن السبيل [7] .
فإذا مُنعت رخصة الأكل من الميتة في حق المضطر من هؤلاء الذي شارف على
(1) رواه عبدالرزاق (كتاب الصلاة/باب الصلاة في السفر/ أثر 4286/ج 2/ص 521) من طريق القاسم بن عبدالرحمن عن ابن مسعود قال:"لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد". ولم يسمع القاسم منه، قاله الهيثمي (مجمع الزوائد 2/ 157) .
ورواه ابن أبي شيبة (3 - كتاب الصلوات/ 735 - من قال: لا تقصر الصلاة إلا في السفر البعيد/أثر 8149/ج 2/ص 204) وفيه الأعمش: سليمان بن مهران، قال عنه الحافظ (التقريب:1/ 254 برقم 2165) :"ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع لكنه يدلس"اهـ، وقد عنعن في هذا الإسناد. فالأثر ضعيف عن ابن مسعود.
(2) انظر: المحلى (4/ 175) .
(3) سورة النساء. آية (101) .
(4) انظر: الهداية (1/ 81) والذخيرة (2/ 367) ومجموع الفتاوى (24/ 109) والنجم الوهاج (2/ 424) .
(5) سورة البقرة. آية (173) .
(6) مجاهد: هو شيخ المفسرين أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي. ثقة إمام في التفسير والعلم. أخذ القرآن والتفسير والفقه والحديث عن ابن عباس، وروى عن أبي هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم. قال قتادة:"أعلم من بقي بالتفسير مجاهد". مات سنة 102 هـ وقيل: 103 أو 104 هـ. (انظر: سير أعلام النبلاء 4/ 449 وتقريب التهذيب ص 520 برقم 6481) .
(7) انظر: تفسير الطبري (3/ 58) وأحكام القرآن، لابن العربي (1/ 90) وتفسير القرطبي (2/ 228) .