وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدو وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من اشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل.
{كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} [البقرة: 25] ، أي: من هذه الأشجار {مِن ثَمَرَةٍ} [البقرة: 25] ، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال {رِّزْقاً} [البقرة: 25] ، أي: عطفاً وختماً وعطية {قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] ، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحولاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نوراً في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال: