ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم:"إن للقرآن ظهراً وباطناً"فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقاً للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاق وزندقة لقوله تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] .
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] ، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:"خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون"فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ} [البقرة: 25] ، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية.
{وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] ، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] أي: أي يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات.