ومنهم من يحمله على الظاهر؛ أي تَرْك المعاملة مع الخَلْقِ، ومنهم من يحمله عليه وعلى معنىً آخر: هو تَرْكُ الاشتغال بملاحظة الأعراض، والتناسي عن جميع الأغراض إلا معانقة الأمر؛ فمنهم مَنْ يسعى إلى ذِكْرِ الله، ومنهم من يسعى إلى الله، بل يسعون إلى ذِكْرِ الله جَهْراً بِجَهْرٍ، ويسعون إلى الله تعالى سِرًّا بسِرٍّ.
قوله جل ذكره: {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِى الأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
إنما ينصرف مَنْ كان له جَمْعٌ يرجع إليه، أو شغْلٌ يقصده ويشتغل به - ولكن ... مَنْ لا شُغْلَ له ولا مأوى .. فإلى أين يرجع؟ وإنما يقال: {وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ} إذا كان له أرَبٌ .. فأمَّا مَنْ سَكَنَ عن المطالبات، وكُفِيَ داءَ الطَّلَبِ .. فما لَه وابتغاء ما ليس يريده ولا هو في رِقِّه؟!
قوله جل ذكره: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةٍ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .
مَنْ أسَرَتْهُ أخطارُ الأشياء استجاب لكلِّ داعٍ جَرَّه إليه لَهْوٌ أو حَمَلَه عليه سهوٌ ومَنْ مَلَكَه سلطانُ الحقيقة لم ينحرف عن الحضور، ولم يلتفت في حال الشهود. {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} وما عند الله للعُبَّاد والزُّهَّاد - غداً - خيرٌ مما نالوه في الدنيا نقداً. وما عند الله للعارفين - نقداً - من واردات القلوب وبواده الحقيقية خيرٌ مما يُؤمَّل المستأنفِ في الدنيا والعُقْبى. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 581 - 586}