فكما أيْتَمَهُ في الابتداء عن أبيه وامِّه ، ثم آواه بلُطْفِه - وكان ذلك أبلغَ وأتمَّ - فإنه كذلك أفرده عن تكلُّفِه العلم - ولكن قال: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ} [النساء: 113] .
وقال: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكَتَابُ وَلاَ الإِيَمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} [الشورى: 52] ألبسه لباسَ العِزَّة ، وتوجَّه بتاج الكرامة ، وخَلَعَ عليه حُسْنَ التولِّي. لتكونَ آثارُ البشرية عنه مندرجة ، وأنوارُ الحقائقِ عليه لائحة.
قوله جل ذكره: {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} .
أي بَعَثَه في الأميين ، وفي آخرين منهم وهم العجم ، ومن يأتي.. إلى يوم القيامة ؛ فهو صلى الله عليه وسلم مبعوثٌ إلى لناس كافَّة.
قوله جل ذكره: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
يقصد به هنا النبوة ، يؤتيها {مَن يَشَآءُ} ؛ وفي ذلك ردٌّ على مَنْ قال: إنها تُسْتَحَقُّ لكثرة طاعة الرسول - وردٌّ على من قال: إنها لتخصيصهم بطينتهم ؛ فالفضل ما لا يكون مُسْتَحَقّاً ، والاستحقاق فَرضٌ لا فضل.
ويقال: {فَضْلُ اللَّهِ} هنا هو التوفيق حتى يؤمِنوا به.
ويقال: هو الأُنْسُ بالله ، والعبدُ يَنْسَى كلَّ شيء إذا وَجَدَ الأُنْسَ.
ويقال: قَطَعَ الأسباب ، - بالجملة - في استحقاق الفضل ، إذا أحاله على المشيئة.
قوله جل ذكره: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} : ثم لم يعملوا بها.