1 -قال ابن عبد البر: ورُوي هذا الحديث من وجوه كثيرة عن أبي سعيد، وأبي هريرة -رضي الله عنهم- كلها ثابتة، ومعلوم أن الذباب إذا غمس في الطعام الحار أو البارد؛ أن الأغلب عليه مع ضعف خلقه الوت فلو كان موته في الماء والطعام يفسده، لم يأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغمسه فيه!! وإذا لم ينجس الطعام بموته فليس بنجس على حال البتة. وقد علم أن الذباب يعيش من الدم ويتناول من الأقذار ما تتناول القملة، وفيه من الدم مثل ما في القملة أو أكثر؛ وقد حكم فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما تقدم ذِكْرِنَا له. وهذا ما لم يكن فيه دم؛ لأن الحديث إنما يدل على أن النجس من الحيوان؛ ما له دم سائل. وكذلك قال إبراهيم ما ليس له نفس سائلة فليس بنجس يعني بالنفس الدم.
2 -قال الإمام البدر والعيني: ولم يقع تعيين الجناح الذي فيه الشفاء، وذكر عن بعض العلماء: أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر؛ فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، قوله:"داء"المراد به السم الذي فيه، ويوضحه حديث أبي سعيد، فإن فيه أنه يقدم السم ويؤخر الشفاء، ولا يحتاج فيه إلى التخريج الذي تكلفه بعض الشراح، فقال: إن في اللفظ مجازًا، وهو كون الداء في أحد الجناحين، فهو إما من مجاز الحذف والتقدير: فإن في أحد جناحيه سبب داء، وإما مبالغة، بأن يجعل كل الداء في أحد جناحيه لما كان سببًا له، وقال الخطابي: هذا مما ينكره من لم يشرح الله قلبه بنور المعرفة، ولم يتعجب من النحلة، جمع الله فيها الشفاء والسم معًا؛ فتعسل من أعلاه وتسم من أسفلها بحمتها، والحية سمها قاتل ولحمها مما يستشفى به من الترياق الأكبر من سمها، فريقها داء ولحمها دواء، ولا حاجة لنا مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصادق الصدوق إلى النظائر، وأقوال أهل الطب الذين ما وصلوا إلى علمهم إلا بالتجربة، والتجربة خطر، والله على كل شيء قدير، وإليه التوكل والمصير.