توسطه في الفتوى: يعني أنه ليس من المكثرين في الفتوى فالوسطية هنا مقابل القلة والكثرة وليس التشدد والتنطع-: قال ابن القيم: وَلمَّا كَانَ التَّبْلِيغُ عَنْ الله سُبْحَانَهُ يَعْتَمِدُ الْعِلْمَ بِمَا يُبَلَّغُ، وَالصِّدْقَ فِيهِ، لَمْ تَصْلُحْ مَرْتبَةُ التَّبْلِيغِ بِالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا إلَّا لمَنْ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ؛ فَيَكُونُ عَالمًا بِمَا يُبَلِّغُ صَادِقًا فِيهِ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مَرَضِيَّ السِّيرَةِ، عَدْلًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مُتَشَابِهَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَأَحْوَالِهِ؛ وإِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنْ المُلُوكِ بِالْمحِلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْر، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى المرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْف بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟ فَحَقِيقٌ بِمَنْ أُقِيمَ فِي هَذَا المنْصِبِ أَنْ يَعُدَّ لَهُ عُدَّتَهُ، وَأَنْ يَتَأَهَّبَ لَهُ أُهْبَتَهُ، وَأَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ المُقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَالصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِنَّ الله نَاصِرُهُ وَهَادِيهِ.
وَأَوَّلُ مَنْ قَامَ بِهَذَا المنْصِبِ الشَّرِيفِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَسَفِيرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَكَانَ يُفْتِي عَنْ الله بِوَحْيِهِ المُبِينِ.
ثُمَّ قَامَ بِالْفَتْوَى بَعْدَهُ بَرْكُ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةُ الْإِيمَانِ، وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ، وَجُنْدُ الرَّحْمَنِ،
أُولَئِكَ أَصْحَابُهُ - رضي الله عنهم -، أليَنُ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَحْسَنُهَا بَيَانًا، وَأَصْدَقُهَا إيمَانًا، وَأَعَمُّهَا نَصِيحَةً، وَأَقْرَبُهَا إلَى الله وَسِيلَةً، وَكَانُوا بَيْنَ مُكْثِرٍ مِنْهَا وَمُقِلٍّ وَمُتَوَسِّطٍ رضي الله عنهم أجمعين.