ادّعاءُ أن أهل الكتاب ما كانوا ينتظرون نبيًّا آخر غير المسيح وإيلياء، ادّعاءٌ باطل لا أصل له؛ بل كانوا منتظرين لغيرهما أيضًا، لما علمت في الأمر الثاني أن علماء اليهود المعاصرين لعيسى - عليه السلام - سألوا يحيى - عليه السلام - أولًا: أنت المسيح؟ ولما أنكر، سألوه: أنت إيلياء؟ ولما أنكر، سألوه: أنت النبيّ؟ أي النبيّ المعهود الذي أخبر به موسى، فعلم أن هذا النبيّ كان منتظرًا مثل المسيح وإيلياء، وكان مشهورًا بحيث ما كان محتاجًا إلى ذكر الاسم؛ بل الإشارة إليه كانت كافية.
وفي إنجيل يوحنا بعد نقل قول عيسى - عليه السلام - هكذا:"فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لمَّا سَمِعُوا"
هذَا الْكَلَامَ قَالُوا:"هذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ آخَرُونَ قَالُوا:"هذَا هُوَ الْمَسِيحُ!". وظهر من هذا الكلام أيضًا"
أن النبي المعهود عندهم كان غير المسيح، ولذلك قابلوا بالمسيح.
القاعدة الرابعة
ادّعاء أن المسيحَ خاتمُ النبيين ولا نبي بعده باطل، لما عرفت في القاعدة الثالثة أنهم كانوا منتظرين للنبي المعهود الآخر الذي يكون غير المسيح وإيلياء عليهم السلام، ولما لم يثبت بالبرهان مجيئه قبل المسيح فهو بعده، ولأنهم يعترفون بنبوة الحواريين وبولس؛ بل بنبوة غيرهم أيضًا.
وفي سفر أعمال الرسل (11: 27) :"27 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعًا عَظِيمًا كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَةِ، الَّذِي صَارَ أَيْضًا فِي أَيَّامِ كُلُودِيُوسَ قَيْصَرَ."فهؤلاء كلهم كانوا أنبياء على تصريح إنجيلهم، وأخبر واحد منهم اسمه أغابوس عن وقوع الجدب العظيم.
القاعدة الخامسة.
الإخبارات التي نقلها المسيحيون في حق عيسى - عليه السلام - لا تصدق عليه، على تفاسير اليهود وتأويلاتهم، ولذلك هم ينكرونه أشدّ الإنكار، وعلماء المسيحية لا يلتفتون في هذا الباب إلى تفاسيرهم وتأويلاتهم ويفسرونها ويؤولونها بحيث تصدق في زعمهم على عيسى - عليه السلام -.