فإن قوله"ما كانَ مُحَمَّدٌ"جواب عن سؤال مقدر ، وهو قول قائل: أليس محمدا أبا زيد بن حارثة؟ فأتى الجواب يقول: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، وكان مقتضى الجواب أن يقول: ما كان محمد أبا زيد ، وكان يكفي أن يقول ذلك ، ولكنه عدل عنه ترشيحا للإخبار بأن محمدا (صلّى اللّه عليه وسلّم) خاتم النبيين ، ولا يتم هذا الترشيح إلا بنفي أبوته لأحد من الرجال ، فإنه لا يكون خاتم النبيين إلا بشرط أن لا يكون له ولد قد بلغ ، فلا يرد أن له الطاهر والطيب والقاسم ، لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال. ثم احتاط لذلك بقوله: مِنْ رِجالِكُمْ ، فأضاف الرجال إليهم لا إليه ، فالتف المعنى الخاص في المعنى العام ، وأفاد نفي الأبوة الكلية لأحد من رجالهم ، وانطوى في ذلك نفي الأبوة لزيد. ثم إن هناك تلفيفا آخر ، وهو قوله"وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ"فعدل عن لفظ نبي إلى لفظ رسول ، لزيادة المدح ، لأن كل رسول نبي ولا عكس ، على أحد القولين ، فهذا تلفيف بعد تلفيف.
الفوائد
-بعض أحكام لكن:
من المعلوم أن (لكن) المخففة هي حرف استدراك ، وأحيانا تأتي عاطفة ، وقد اختلف النحاة في نحو: (ما قام زيد ولكن عمرو) على أربعة أقوال:
1 -ما قاله يونس: إن لكن غير عاطفة ، والواو عاطفة مفردا على مفرد.
2 -ما قاله ابن مالك: إن (لكن) غير عاطفة ، والواو عاطفة لجملة حذف بعضها على جملة صرح بجميعها. قال: فالتقدير في نحو: (ما قام زيد ولكن عمرو) ولكن قام
عمرو. وفي (وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) ولكن كان رسول اللّه. وعلة ذلك ، أن الواو لا تعطف مفردا على مفرد مخالف له في الإيجاب والسلب ، بخلاف الجملتين المتعاطفتين ، فيجوز تخالفهما فيه ، نحو: قام زيد ولم يقم عمرو.
3 -قال ابن عصفور: إن (لكن) عاطفة ، والواو زائدة لازمة.
4 -قال ابن كيسان: إن (لكن) عاطفة ، والواو زائدة غير لازمة.