وكَانَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُرْدِ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ لَهُمْ تَعَفُّفًا وَتَنَزُّهًا وَنَفْيًا لِلْظِنَّةِ عَنْ نَفْسِهِ وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ وَيَسْمَعُ مِنْهُ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ أَمْرَدُ يُحِبُّ أَنْ يُسْمِعَهُ حَدِيثَهُ وَعَرَفَ عَادَتَهُ فِي الامْتِنَاعِ فَاحْتَالَ أَبُو دَاوُدَ بِأَنْ شَدَّ عَلَى ذَقْنِ ابْنِهِ قِطْعَةً مِنَ الشَّعْرِ لِيُوهِمَهُ مُلْتَحِيًا ثُمَّ أَحْضَرَهُ الْمَجْلِسَ وَأَسْمَعَهُ جُزْءًا فَأَخْبَرَ الشَّيْخُ بِذَلِكَ فَقَالَ لأَبِي دَاوُدَ مِثْلِي تَعْمَلُ مَعَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الشَّيْخُ لَا تُنْكِرْ عَلَيَّ مَا فَعَلْتُهُ وَاجْمَعِ ابْنِي مَعَ شُيُوخِ الْفُقَهَاءِ وَالرُّوَاةِ فَإِنْ لَمْ يُقَاوِمْهُمْ بِمَعْرِفَتِهِ فَاحْرِمْهُ السَّمَاعَ فَاجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الشُّيُوخِ فَتَعَرَّضَ لَهُمْ هَذَا الابْنُ مُطَارِحًا وَغَلَبَ الْجَمِيعَ بِفَهْمِهِ وَلَمْ يَرْوِ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الشَّيْخُ حَدِيثًا مِنْ حَدِيثِهِ وَحَصَّلَ لَهُ ذَلِكَ الْجُزْءَ الأَوَّلَ وَكَانَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ يَفْتَخِرُ بِرِوَايَةِ هَذَا الْجُزْءِ الْوَاحِدِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُرْدِ لِمَجْلِسِهِ لِلْسَمَاعِ فَاحْتَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فَدَخَلَ فِي غِمَارِ النَّاسِ مُسْتَتِرًا بِهِمْ وَهُوَ أَمَرَدٌ فَسَمِعَ مَعَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ مَالِكٌ فَأَحْضَرَهُ وَضَرَبَهُ سِتَّةَ عَشَرَ سُوطًا فَقَالَ هِشَامٌ لَيْتَنِي سَمِعْتُ مِائَةَ حَدِيثٍ وَضَرَبَنِي مِائَةَ سُوطٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هَانِئٍ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ مَا طَمِعَ أَمْرَدُ بِصُحْبَتِي وَلا لأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي طَرِيقٍ.