الوجه السابع: على التسليم بأنها غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس.
قال الزرقاني: إن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيانٌ للناس وهدى ورحمة؛ فإن هذه الأوصاف يكفي في تحققها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعه لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل لفظ فيه، ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية، وهداية للخلق إلى الحق، ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجواب مبني على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور، وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا؛ بل هو من الأسرار التي استأثر الله بعلمها، ولم يُطْلِعْ عليها أحدًا من خلقه؛ وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه ودلائل هدايته وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضًا من فيض، فأما الذين آمنوا فيعلمون أن هذه الفواتح حق من عند ربهم ولو لم يفهموا معناها، ولم يدركوا مغزاها ووسع علمه كل شيء عرفه الخلق، أو لم يعرفوه من أسرار تنزيله {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: من الآية 255] .
ونظير ذلك أن تكون أستاذًا معلمًا، وتريد أن تقف على مدى انتباه تلاميذك، ومبلغ ثقتهم فيك، وفي علمك، بعد أن زودتهم منك بدراسات واسعة، وتعاليم واضحة، فإنك تختبرهم في بعض الأوقات بكلمات فيها شيء من الألغاز والخفاء، ليظهر الذكي من الغبي؛ والواثق بك الوامق لك من المتشكك فيك، المتردد في علمك وفضلك، فأما الواثق فيك فيعرف أن تلك الألغاز والمعميات صدرت عن علم منك بها وإن لم يعلم هو تفسيرها، ويعرف أن لك حكمة في إيرادها على هذه الصورة من الخفاء وهي الاختبار والابتلاء، وأما المتشكك فيك فيقول: ماذا أراد بهذا؟ وكيف ساغ له أن يورده؟ وما مبلغ العلم الذي فيه؟ ثم ينسى تلك المعارف الواسعة الواضحة التي زودته بها من قبل ذلك، وكلها من أعلام العلم وآيات الفضل.