قال الزرقاني: إن الله تعالى خلق العالم منظمًا محكمًا، متناسقًا متناسبًا، والكتاب السماوي إذا جاء مطابقًا لنظامه، موافقًا لإبداعه، سائرًا على منهاجه، دلّ ذلك على أنه من عنده، وإذا جاء الكتاب السماوي مخالفًا لنهجه، منافرًا لفعله، منحرفًا عن سننه كان ذلك الكتاب مصطنعًا، مفتعلًا، منقولًا، مكذوبًا، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .
وذكر على ذلك أمثلة من العالم مبينًا بذلك أن لهذه الفواتح معاني في ضوء الوجوه السابقة، وإذا كان بعض الناس لا يفهم تلك المعاني فليس ذلك عيبًا في القرآن؛ إنما هو عيبٌ في استعداد بعض أفراد الإنسان. وكتاب الله خوطب به الخواص كما خوطب به العوام، فلا بدع أن يكون فيه ألفاظ لا يفهمها إلا الخاصة دون العامة.
قلت: فثبت بما ذُكر من معاني لهذه الحروف المقطعة عند أهل العلم أن لها معنى معلومًا، وليست من الطلاسم والكلام الذي لا يفهم.
فإذا مثلهم في ذلك كأعمى خرج ليل البدر؛ فقال: إن القمر لا وجود له، أو جاء في وسط النهار، وقال: إن الشمس لم تطلع مع كونها طالعةً ظاهرةً، فهل يضر الشمس والقمر عمى هذه الأبصار؟!
الوجه السادس: لو كانت هذه الأحرف طلاسم - كما يزعمون - لطعن في ذلك اليهود والمشركون.
إن اليهود لم يُعْرَفْ عنهم الطعنُ في القرآن بمثل هذا، ولو كان هذا مطعنًا عندهم لكانوا أول الناس جهرًا به وتوجيهًا له؛ لأنهم كانوا أشد الناس عداوةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، وهم يتمنون أن يجدوا في القرآن مغمزًا من أي نوعٍ يكون؛ ليهدموا به دعوة
الإسلام. كيف وهم يكفرون به حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق؟.
قال السيوطي: لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولًا متداولًا عنهم؛ لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل تلا عليهم {حمَ} و {ص} وغيرها فلم ينكروا ذلك؛ بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوقهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمرًا معروفًا بينهم لا إنكار فيه.