وعلى ذلك نقول: إن كل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبنى فهم القرآن إلا عليها داخل تحت الظاهر، فالمسائل البيانية، والمنازع البلاغية، لا معدل لها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الإنسان مثلاً الفرق بين"ضَيِّق"فِي قوله تعالى فِي الآية [125] من سورة الأنعام: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ} .. وبين"ضائق"فِي قوله تعالى فِي الآية [12] من سورة هود: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} .. وعرف أن"ضيِّق"صفة مشبهة دالة على الثبوت والدوام فِي حق مَن يُرد الله أن يضله، وأن"ضائق"اسم فاعل يدل على الحدوث والتجدد وأنه أمر عارض له صلى الله عليه وسلم. إذا فهم الإنسان مثل هذا فقد حصل له فهم ظاهر القرآن.
إذن فلا يُشترط فِي فهم ظاهر القرآن زيادة على الجريان على اللِّسان العربي، وإذن كل معنى مستنبَط من القرآن غير جار على اللِّسان العربي فليس من تفسير القرآن فِي شيء .. لا مما يُستفاد منه ولا مما يُستفاد به. ومَن ادَّعى فيه ذلك فهو مبطل فِي دعواه.
أما المعنى الباطن، فلا يكفى فيه الجريان على اللِّسان العربي وحده. بل لا بد فيه مع ذلك من نور يقذفه الله تعالى فِي قلب الإنسان يصير به نافذ البصر سليم التفكير، ومعنى هذا أن التفسير الباطن ليس أمراً خارجاً عن مدلول اللَّفظ القرآني، ولهذا اشترطوا لصحة المعنى الباطن شرطين أساسيين:
أولهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر فِي لسان العرب بحيث يجرى على المقاصد العربية.
وثانيهما: أن يكون له شاهد نصاً أو ظاهراً فِي محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.