كذلك مكَّن لهم القول بباطن القول من أن يقولوا: إن اللَّفظ الذي يراد به العموم ظاهراً، كثيراً ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلاً لفظ"الكافرون"الذي يُراد به العموم، يقولون: هو فِي الباطن مخصوص بمن كفر بولاية عليّ. كما مكَّنهم أيضاً من أن يصرفوا الخطاب الذي هو موجَّه فِي الظاهر إلى الأُمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب فِي نظرهم من هذه الأُمة بحسب الباطن، فمثلاً قوله تعالى فِي الآية [159] من سورة الأعراف: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .. يقولون فيه: قوم موسى فِي الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكَّنهم أيضاً من أن يتركوا أحياناً المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما فِي قوله تعالى فِي الآيتين [74 - 75] من سورة الإسراء: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} .. فالظاهر غير مراد عندهم، ويقولون: عنى بذلك غير النبي، لأن مثل هذا لا يليق أن يكون موجهاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو معنى به من قد مضى، أو هو من باب:"إياك أعنى واسمعى يا جارة".
كذلك مكَّنهم هذا المبدأ من إرجاع الضمير إلى ما يسبق له ذكر، كما فِي قوله تعالى فِي الآية [15] من سورة يونس: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَاذَآ أَوْ بَدِّلْهُ} .. حيث يفسرون"أو بَدِّلُه"بمعنى أو بدِّل علياً.؟ ومعلوم أن علياً لم يسبق له ذكر، ولم يكن الكلام مسوقاً فِي شأن خلافته وولايته.