آصف: إنك لمفتون بذنبك. والخاتم لا يقر فِي يدك، فتُبْ إلى الله عَزَّ وجَلَّ. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكون من فعل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على عباده حتى يقعوا فِي تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن قبيح. وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع، ألا ترى إلى قوله: {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} .. وأما السجود للصورة فلا يُظن ينبي الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا عليه"."
وجَلِيُّ أن الزمخشري قد صرَّج بجواز الروايتين (الأولى والثانية) ورأى أنه لا بأس من وقوع إحداهما، ولكنه فَنَّدَ الرواية الأخيرة - رواية صخر المارد - وبَيَّنَ أنها تُذْهِب بعصمة الأنبياء، ولا تتفق وقواعد الشريعة.... وهكذا لم يقع الزمخشري فيما وقع فيه غيره من المفسِّرين من الاغترار بالقَصص الإسرائيلى والأخبار المختلفةف المصنوعة، وهذه محمدة أخرى لهذا المفسِّر الكبير تُحمَد له ويُشكَر عليها.
وبعد .. فهذه الكتب الثلاثة: تنزيه القرآن عن المطاعن، وأمالى الشريف المرتضى، وكشَّاف الزمخشري، هي كل ما وصل إلى أيدينا من تراث المعتزلة ومؤلفاتهم فِي التفسير، وهي وإن كانت قليلة بالنسبة لما لم تنله أيدينا من تفاسير المعتزلة، يمكن أن تكون تعويضاً مقبولاً إلى حد كبير عن التفاسير التي طوتها يد النسيان، وأدرجتها فِي غضون الزمن السحيق. وهي بعد ذلك تُعتبر أثراً خالداً ومهماً، لا فِي تاريخ التفسير الاعتزالى فقط، بل فيه، وفى تاريخ الأدب العربي كذلك، لما تشتمل عليه من بحوث أدبية قيمة، تلقى لنا ضوءاً على ما كان بين الأدب والتفسير من تأثر كل منهما بالآخر وتأثيره فيه. والله أعلم.