الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ، الْمَقْصُودِ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ عَلَى الطَّمَعِ وَالْإِشْفَاقِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْإِنْكَارِ وَالْإِهْمَالِ.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(105)
فِي قَوْلِهِ: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) سُؤَالٌ:
وَهُوَ أَنَّ عَمَلَهُمْ لَا يَرَاهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ؟
وَالْجَوَابُ: مَعْنَاهُ وَصُولُ خَبَرِ ذَلِكَ الْعَمَلِ إِلَى الْكُلِّ.
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كُوَّةَ لَخَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» .
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ فِي أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَعْمَالَ هَؤُلَاءِ التَّائِبِينَ؟
قُلْنَا: فِيهِ وَجْهَانِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ أَجْدَرَ مَا يَدْعُو الْمَرْءَ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْعِزِّ الَّذِي يَلْحَقُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ عَظَّمَهُ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ، عَظُمَ فَرَحُهُ بِذَلِكَ وَقَوِيَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ، وَمِمَّا يُنَبِّهُ عَلَى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهَا رُؤْيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُحِقِّينَ الْمُحَقِّقِينَ فِي عُبُودِيَّةِ الْحَقِّ، فَاعْمَلِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كُنْتَ مِنَ الضُّعَفَاءِ الْمَشْغُولِينَ بِثَنَاءِ الْخَلْقِ فَاعْمَلِ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لِتَفُوزَ بِثَنَاءِ الْخَلْقِ، وَهُوَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ.