قلنا: المراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضهم على دين بعض، أي على عادتهم وخلقهم بإضمار لفظة الدين أو الخلق ونحوه؛ لأن «من» تأتي بمعنى على، ومنه قوله تعالى:(وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) [الأنبياء: 77] وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ) [البقرة: 226] ، أي يحلفون على وطء نسائهم، وهذا هو المعنى المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: «فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» وقوله عليه الصلاة والسلام: «من غشّنا فليس منّا» ، والمراد بقوله تعالى: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، أي أنصارهم وأعوانهم في الدين، وكل واحدة من العبارتين صالحة للفريقين، إلا أنه خص المنافقين بتلك العبارة تكذيبا لهم في حلفهم السابق في قوله تعالى:(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) [التوبة: 56] وتقريرا لقوله تعالى: (وَما هُمْ مِنْكُمْ) [التوبة: 56] ؟
[400] فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) [التوبة: 69] مع أن قوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
[التوبة: 69] بوضع الظاهر موضع الضمير مغن عنه، كما قال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) [التوبة: 69] من غير تكرار؟
قلنا: فائدته تصدير التشبيه بذم المشبه بهم باستمتاعهم بما أوتوا من حظوظ الدنيا واشتغالهم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة الباقية وطلب الفلاح في الآخرة، وتهجين حالهم وتقبيح صفتهم؛ ليكون التشبيه بعد ذلك أبلغ في ذم المشبهين بأولئك الأولين، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون كان يقتل بغير حقّ ويظلم ويفسق وأنت تفعل مثل فعله.
وأما قوله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا فإنه لما كان معطوفا على ما قبله وهو التشبيه المصدّر بتلك المقدمة أغنى ذلك عن إعادة تلك المقدمة المذكورة للتقبيح والتهجين.
[401] فإن قيل: قوله تعالى: (أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) [التوبة: 69] حبوط العمل إن كان عبارة عن بطلان ثوابه فذلك إنما يكون في الآخرة، وإن كان عبارة عن بطلان منفعته فأعمال المنافقين في الدنيا ليست باطلة المنفعة؛ لأنهم ينتفعون بها في حقن دمائهم وأموالهم وجريان أحكام المسلمين عليهم؟