الجواب عن المسألة الثانية: إن معنى قوله للمنافقين: {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أي: سيعلم الله حقيقة عملكم وأنه عن غير صحة اعتقاد منكم وأن اعتذاركم قول بلسانكم لا يطابقه منطوى ضميركم، وهذا ظاهر بكون الجزاء عليه خلافه، ففصل بينه وبين ردهم إلى الله تعالى للجزاء عليه بقوله: {ثُمَّ تُرَدُّونَ} أي: عملكم يعلم الله من باطنه خلاف ظاهره، وقد أمرنا بالرضاء به وحقن دمائكم له، ثم إن الحكم إذا رددتم إلى الله تعالى في الآخرة بخلافه، فلبعد ما بين الظاهر من عملهم وما يجازون به دخلت «ثم» وليست كذلك الآية الأخيرة لأن قبلها بعثا على عمل الخير لقوله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} وهذا وعد والأول وعيد وبعده «ستردون» لأنه وعد مما يشاكل أفعالهم ويطابق أعمالهم من حسن الثواب وجميل الجزاء، ولم يبعد عنها كبعد جزاء المنافقين عما هو ظاهر من أعمالهم التي يراءون بها ويعلم الله تعالى خلافها منهم، فجرى الكلام على نسق واحد فقال: فسيرى الله عملكم وستردون، ولم يدخل «ثم» التي هي للتراخي والتباعد، فاختصاص كل موضع بما اختص به من اللفظ لما ذكرنا.
الآية السابعة من سورة التوبة
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} وقال بعده:
{وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
للسائل أن يسأل في ذلك عن مسألتين.