فأما قوله: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} فيجوز أن يكون معطوفًا على"الأنصار"في رفعه وجره ، ويجوز أن يكون معطوفًا على"السابقون"، وأن يكون معطوفًا على"الأنصار"لقربه منه.
ومن ذلك قراءة الحسن:"صَدَقَةً تُطْهِرُهُم"1 خفيفة.
قال أبو الفتح: هذا منقول من طهَر وأَطهرته كظهر وأَظهرته. وقراءة الجماعة أشبه بالمعنى لكثرة المؤمنين ؛ فذلك قرأت:"تُطَهِّرهم"، من حيث كان تشديد العين هنا إنما هو للكثير ، وقد يؤدي فعلت وأَفعلت عن الكثرة من حيث كانت الأفعال تفيد أجناسها ، والجنس غاية الجموع ، ألا ترى أن ما أنشده الحسن من قوله:
أنت الفداءُ لقِبلة هدَّمتها ونَقَرتها بيديك كل منقَّر
ولم يقل: كل نَقْر ، وهذا واضح ، وعليه قراءة من قرأ:"وَأغْلَقَتِ الْأَبْوَاب"2 ، وهو واضح.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن يزيد:"أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهُ رِجَالٌ"3 بكسر هاء"فيه"الأولى ، وضم هاء"فيه"الآخرة مختَلَستين.
قال أبو الفتح: أصل حركة هذه الهاء الضم ، وإنما تكسر إذا وقع قبلها كسرة أو ياء ساكنة ، كقولك: مررت به ، ونزلت عليه ، وقد يجوز الضم مع الكسرة والياء ، وقد يجوز إشباع الكسرة والضمة ومطلهما إلى أن تحدث الواو والياء بعدهما ، نحو: مررت بهِي وبهُو ، ونزلْتُ عليهِي وعليهُو ، وهذا مشروح في أماكنه ؛ لكن القول في كسر"فيه"الأولى وضم"فيه"الثانية.
والجواب"72ظ"أنه لو كسرهما جميعًا أو ضمهما جميعًا لكان جميلًا حسنًا ، غير أن الذي سوَّغ الخلاف بينهما عندي هو تكرير اللفظ بعينه ؛ لأنه لو قال:"فيهِ فيهِ"، أو"فيهُ فيهُ"لتكرَّر اللفظ عينه ألبتة ، وقد عرفنا ما عليهم في استثقالهم تكرير اللفظ حتى أنهم لا يتعاطونه إلا فيما يتناهى عنايتهم به ، فيجعلون ما ظهر من تَجشمهم إياه دلالة على قوة مراعاتهم له ، نحو قولهم:
1 سورة التوبة: 103.
2 سورة يوسف: 23 ، ولم أجد في المظان التي رجعت إليها ذكرًا لهذه القراءة.
3 سورة التوبة: 108.