فإن قالوا: لم يرهبوا الله أن ينتزعه منهم ، ولكنهم خشوا أن يفتنهم الشيطان. قيل لهم: فمن مالك الشيطان ، فإن قالوا: الله جل وعلا. قيل: أفيجوز عليه عندكم وهو عدل أن لا يحول بينه وبين من يريد تفتينه وانتزاع الإسلام منه ، سيما وقد أمره أن يثبت عليه ، وأوعد على تركه ما أوعد.
فإن قالوا: لا يعصمه منه ، بل يكله إلى استطاعة نفسه ، قيل: وهو
قادر على غلبته فيما يريد من تفتينه أم لا ،
فإن قالوا: قادر رجعوا فيما يلزمهم من أن مسألتهم ومسألة يوسف
صلى الله عليه وسلم مسألة محال.
وإن قالوا لا يقدرون ، أقروا بما يراد لهم من أن انتزاع الإسلام الذي دعوا بتركه في أيديهم غير مأمون ، وسواء خيف ذلك من قبل الله أو من قبل عدو هو مالكه ، وقادر على أن يمنعه من ظلم من يريد تفتينه فلا يمنعه بل كان قادرا على أن لا يخلقه مسلطا ولا متسلطا ، فخلقه كيف شاء لماشاء ووضع عنا تفتيشه.
في نفي الخلق عن القرآن ورؤية الرب تعالى في الآخرة:
قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)
حجة على الجهمية واضحة ، إذ لو كان القرآن مخلوقا كما يزعمون لكان"وكلمه كلام ربه"فإن الله جل وتعالى قادر على أن ينطق كلاما هو خالقه بكلام غيره ، كما ينطق من شاء من الحيوان والموات وغير ذلك من خلقه. وقد أخبر عن نفسه جل وتعالى كما ترى أنه قال لموسى ، صلى الله
عليه وسلم ، وأجابه موسى ، وليس في قوله عز وجل: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)
حجة أن الله تبارك وتعالى لا يري في القيامة ، ولا يكون منه ظهور للخلق ، وكيف يجوز ذلك وهو يقول: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ)