فلم يضر الله شيئا من وفاق أساميهم مع اسمه ، إذ كان ذلك من حق اللغة المحتملة لكل من علم شيئا حقا كان أو باطلا أن يسمى به عليما ، وكذا قلنا: إن الله - جل جلاله - له سمعه وبصره اللذان هما غير مخلوقين بل أزليين سميع بصير ، كما أن المخلوق بسمعه وبصره المخلوقين المحدثين الزائلين سميع بصير ، لا يوجب أن يكون الخلق بسمعه المخلوق لأن الله يسمى به خالقا ولا الله بسمعه الأزلي مخلوق ، لأن سمى سمع خلقه سمعا ولكنه من ضاق عن سعة اللسان لم يكن لجهله نهاية ولا بالدين عناية.
قوله إخبارا عمن آمن من سحرة فرعون: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ(126)
حجة على المعتزلة والقدرية ، إذ كل ما أخبر الله تعالى عنهم في هذه الآية لا محالة مدح لهم ، أفيجوز عندهم على الله جل جلاله أن يثني على قوم بدعاء محال ، والإسلام بأيديهم يثبتون عليه ما شاءوا ويتركونه إذا شاءوا لا يخافون أن ينتزع منهم كرها.
أليس سؤالهم تركه لهم حتى يتوفاهم عليه وهم مالكوه - قد أمنهم
الله من الانتزاع منهم بما أظهر لهم من عدله - سؤال محال ، ولكنهم سألوا سؤال حق ورهبوا مكر الله الذي لا يأمنه إلا القوم الخاسرون ، واقتدوا في ذلك بنبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم في إخبار الله جل وتعالى عنه: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)