والذي نرجحه أن مصير هذه الفرقة مفوض إلى الله، لأنه لم يرد نص صحيح في شأنها، فإن الآية الكريمة قد ذكرت صراحة عاقبة كل من الناصحين والعادين ولم تذكر مصير الفرقة اللائمة للناصحين ولعل ذلك مرجعه إلى أنها وقفت من العادين ولم تذكر في السبت موقفاً سلبياً استحقت معه الإهمال، إن لم تكن بسببه أهلا للمؤاخذة.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ...(187)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله؟
قلت: للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} وعلى هذا تكرير العلماء والحذاق"."
وقال صاحب الانتصاف: وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلقى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها. وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرار أن الكلام إذا بني على مقصد واعتراض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده، طرى بذكر المقصد الأول للتصل نهايته ببدايته، وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها فإنه لما ابتدأ الكلام. بقوله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا} ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} إلى قوله {بَغْتَةً} أن يدمغ تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده، فطرى ذكره تطرية عامة، ولا تراه أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال كالتذكرة للأول مستغني عن تفصيله بما تقدم.
فمن ثم قيل {يَسْأَلُونَكَ} ولم يذكر المسئول عنه وهو"الساعة"اكتفاء بما تقدم، فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله} ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه"."