[ص: 71 - 72] ، {ثُمَّ قَضَى أَجَلاً} [الأنعام: 2] ؛ يعني: الروح المفارق عن مكثه قضي إجلالاً لأيام فراقه عن الحضرة وبُعده عن وطن الحقيقي {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} [الأنعام: 2] ، وهو أجل الوصلة بعد الغرفة في مقام العندية، كقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها {ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] ، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدّاً.
ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3] ، إلى قوله: {يَسْتَهْزِءُونَ} [الأنعام: 5] ، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ} [الأنعام: 3] ، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي {وَجَهْرَكُمْ} [الأنعام: 3] ؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] ، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضاً من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئاً، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئاً والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضاً أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.