وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع - وهو الإيقاع الأخير في السورة - في تسبيحة ندية رخية ، حازمة كذلك حاسمة ، تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين: التوحيد المطلق ، والعبودية الخالصة ، وجدية الآخرة ، وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا. وسلطان الله المتمثل في ربوبيته لكل شي ؛ وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب.. كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية ، وهي تتجلى في أخلص قلب ، وأصفى قلب ، وأطهر قلب.. قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلا التعبير القرآني ذاته: قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً ، وما كان من المشركين. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. قل: أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ؛ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون.
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ، إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم..
ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل ، لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل:
{ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ، وتفصيلاً لكل شيء ، وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} ..
هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله.. وتأويله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا..} {وأن هذا صراطي مستقيماً} معطوفة على جملة: ألا تشركوا.. {ثم آتينا موسى الكتاب..} معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم - صلى الله عليه وسلم - فالسياق مطرد كما أسلفنا.