وهل كان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن تستخفه الآمال فيجرى مع الخيال؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع فِي نبيا يوحي إليه (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلآ رحمة من ربك) سورة القصص , ولا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظا لديه (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا) سورة الإسراء.
فلابد إذا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه. ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت؟ الا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها , والذي قدر مبدأها ومنتهاها , واحاط علما بمجراها ومرساها. فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما فِي الآية الآنفة لما استطاع القرآن ان يقاوم تلك الحروب العنيفة التي اقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن.
سل التاريخ: كم مرة تنكر الدهر لدول الإسلام وتسلط الفجار على المسلمين فاثخنوا فيهم القتل , واكرهوا امما على الكفر , واحرقوا الكتب , وهدموا المساجد , وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا
القرآن كلا أو بعضا كما فعل بالكتب قبله , لولا أن يد العناية تحرسه فبقي فِي وسط هذه المعامع رافعا راياته وأعلامه. حافظا آياته وأحكامه. بل اسأل صحف الأخبار اليومية: كم من القناطير المقطرة من الذهب والفضة تنفق فِي كل عام لمحو هذا القرآن وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون) سورة الأنفال.
ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.