يعيد كل ما يلقى إليه حرفيا. فكان لابد له فِي أول عهده بتلك الحال الجديدة التي لم يألفها من نفسه أن يكون شديد الحرص على المتابعة الحرفية , حتى ضمن الله له حفظه وبيانه بقوله: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) الآيات من سورة القيامة, وقوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه , وقل رب زدني علما) سورة طه.
هذا طرف من سيرته بإزاء القرآن. وكلها شواهد ناطقة بصدقه فِي أن القرآن لم يصدر عنه بل ورد إليه , وانه لم يفض عن قلبه بل أفيض عليه.
فإذا أنت صعدت بنظرك إلى سيرته العامة لقيت من جوانبها مجموعة رائعة من الاخلاق العظيمة. وحسبك الآن منها امثلة يسيرة إذا ما تأملتها صورت ل كإنسانا الطهر ملء ثيابه , والجد حشو إهابه , يأبى لسانه ان يخوض فيما لا يعلمه , وتأبى عيناه تخفيا خلاف ما يعلنه , ويأبى سمعه ان يصغى إلى غلو المادحين له: تواضع هو حلية العظماء , وصراحة نادرة فِي الزعماء , وتثبت قلما تجده عند العلماء , فأنى من مثله الختل أو التزوير , أو الغرور أو التغرير؟ حاش لله.
جلست جويرات يضربن بالدف فِي صبيحة عرس الربيع بنت معوذ الأنصارية , وجعلن يذكرن آباءهن من شهداء بدر حتى قالت جارية منهن: وفينا نبي يعلم ما فِي غد , فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تقولي هكذا , وقولي ما كنت تقولين ) )رواه البخاري. ومصداقه فِي كتاب الله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب) سورة الانعام (ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير) الأعراف.