وقد يسجل أحدنا على شريط تسجيل بعضاً من الكلام . ومن بعد ذلك يجب أن يسجل كلاماً آخر على الشريط نفسه فيمسح الكلام الذي سجله أولاً ، ولكن ذاكرة الإنسان تختلف ، فساعة تأتي المسائل في بؤرة شعوره فالإنسان يتذكرها . وإذا ما جاءت مسألة أخرى بعدها فلا بد أن تتزحزح المسألة الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور ؛ لأن بؤرة الشعور لا تستقبل إلا خاطراً واحداً ، فإن شغلت بؤرة الشعور بخاطر آخر فهي تحفظ الخاطر الأول في حواشي الحافظة . ولا يمسح خاطر خاطراً آخر . فإن أراد الإنسان أن يستدعي الخاطر القديم ، كان ذلك في مقدوره ، وهذا هو الفارق بين تسجيل الخالق وتسجيل المخلوق .
وبعد ذلك نجد ان التذكر يكون للمعاني ، فالذي يخزن في ذاكرة الإنسان ليس أَجْرَاماً ، فلو كانت أجراماً لما وسعها المخ . ولهذا فالمعاني لا تتزاحم فيه ، بل تتراكم بحيث إذا ما جاء تداعي المعاني فالإنسان يتذكر ما يريد أن يذكره ، وذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان المخ من صنع الخالق الأعلى .
وما دامت المعاني ليس لها حيز فالإنسان يقدر على حفظها في الذاكرة .
الإنسان قد يجلس ليتذكر أسماء الجبال في العالم فيقول: من جبال العالم قمة"إفريست"، وجبال"الهمالايا"، وجبل"أحد"وجبل"ثور". وساعة يتذكر هذه الأسماء فهو يتصور معانيها ، فالموجود في ذهن الإنسان معاني هذا الكلمات وليس أجرام هذه الكائنات ؛ لذلك فلا تزاحم أبداً في المعاني بل تظل موجودة ومختزنة في الذاكرة وحاشية الشعور .