أجيب بأنه من المعلوم أن استباحة الصلاة والقراءة وغير ذلك لابد أن تكون بطهارة، فلو لم يكن رافعًا للحدث لما استبيحت به الصلاة.
فمن التناقض أن يقال: التيمم ليس بطهارة تامة، ولكنه يبيح فعل الصلاة
ونحوها؛ لأن استباحة الصلاة لا تكون إلا بطهارة، فهو إذن على قولكم: طهارة، لا طهارة.
ثالثًا: من المعقول:
1 -أن التيمم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلاً له في صفته، فلما كان طهارة الوضوء ترفع الحدث كان بدلها كذلك.
المناقشة:
نوقش بأنه بدل عنه في فعل العبادة من صلاة وغيرها، فهذا مقصود الشرع بالبدلية، وليس معنى البدلية أنه مثله في رفع الحدث، بدليل أنه إذا وجد الماء عاد حدثه، بخلاف طهارة الماء فإنها لا تبطل إلا بتجدد الحدث.
الجواب:
يمكن مناقشته من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أن التراب إذا كان مطهرًا من الحدث بنص الكتاب والسنة، امتنع أن يكون الحدث باقيًا، فالتيمم رافع للحدث مطهر لصاحبه، وإلا للزم على قولكم أن يكون أداؤه للصلاة على حدث، وأنتم لا تقولون بذلك.
الوجه الثاني: أن قولكم: إنه لا يرفع الحدث، فإن كان المراد به أنه لا يرفع الأسباب الموجبة للحدث كالريح والوطء فكذلك الوضوء؛ لأن رفع الأسباب محال.
وإن كان المراد أنه لا يرفع المنع الشرعي من الإقدام على العبادة، فإن المنع قد ارتفع بالضرورة، فإن الإباحة ثابتة إجماعًا، ومع الإباحة لا منع.
الوجه الثالث: أن المتيمم إنما يعود حدثه إذا وجد الماء؛ لأن الأصل في التيمم أنه يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم أصلاً.
الوجه الرابع: أن بطلان التيمم برؤية الماء، دليل على أنه بمنزلة الماء عند عدمه، فدل ذلك على أن التيمم يرفع الحدث كالماء.
2 -أن التيمم طهارة عن حدث تستباح به الصلاة، فأشبه الطهارة المائية.
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - هو القول الثاني القائل بأن التيمم يرفع الحدث إلى حين وجود الماء، وذلك لما يلي:
1 -لقوة أدلتهم، وإفادتها المراد، وسلامتها من الاعتراضات القادحة.
2 -ضعف أدلة القول الأول بما حصل من مناقشتها.