وأيضًا فموافقة القياس من وجه آخر، وهو أن التيمم جُعل في العضوين المغسولين وسقط عن العضوين الممسوحين، فإن الرجلين تُمسحان في الخف، والرأس في العمامة، فلما خفف عن المغسولين بالمسح، خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح».
ومما سبق يتضح جلياً رحمة الله بعباده حين شرع لهم التيمم حتى لا ينقطع الإنسان من عبادة ربه بل يعبده ويتقرب إليه في كل مكان وعلى كل حال، وهذه سنة الله في خلقه، كلما ازداد أمر عبده ضيقًا وحرجًا زاد له فرجًا ومخرجًا.
المبحث الثالث
اختصاص الأمة بالتيمم
من الخصائص التي خصَّ الله بها أمة الإسلام فضيلة التيمم، والتي تفردت بها هذه الأمة المباركة على غيرها من الأمم، لطفًا من الله بها وإحسانًا.
فالتيمم خاصية لهذه الأمة المحمدية، فلم يكن مشروعًا لأمة من الأمم قبلها، كما صرح بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة، وسأكتفي هنا بذكر الأحاديث التالية:
1.حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصةً وبُعثت إلى الناس عامة» .
2.حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون» .
3.حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت ترتبها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء» ، وذكر خصلة أخرى.
قال الإمام الخطابي
-رحمه الله: «وقوله: «جُعلت لي الأرض مسجدًا