والإشارة فيها: إن الخطاب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 59] مع القلب والروح والسر، فإنهم آمنوا على الحقيقة لوهم استعداد قبولهم للإيمان ونوره وهم المخاطبون بقوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللَّهَ} [النساء: 59] ، فطاعة القلب: لله في أن يحب الله وحده لا يحب معه أحداً له، وطاعة الروح: ألاَّ يلتفت إلى غير الله في الطلب ولا يطلب منه إلا هو، وطاعة السر: في ألاَّ يرى غير الله في الوجود، كما قال بعضهم: ما في الوجود سوى الله {وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء: 59] ؛ يعني: كونوا بحكم وارد الوقت، فكما أن طاعة الرسول الظاهر هي قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، وكذلك طاعة الرسول، وأراد الحق في الباطن هو أن يأخذوا ما أتاهم، وأراد الحق بحكم الوقت مراً كان أو حلواً أن لا يعترضوا عليه ولا يعرضوا عنه، ويصبروا عليه صبر الرجال، وينتهوا عما نهاهم بالشواهد والإشارات، وأما بالأحوال أو وقوع الواقعات يدل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد:"استفت قلبك يا وابصة، ولو أفتاك المفتون" {وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ؛ يعني: مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم، فإن أولي الأمر المريد شيخه في التربية، فينبغي للمريد أن يكل وارد حق يدق باب قلبه، وإشارة وإلهام، وواقعة تنبئ وتخبر عن أعمال وأحوال في حقه تضرب على محك نظر شيخه فيما يرى فيه الشيخ، فأولي الأمر الكتاب والسنة، فينبغي له أن ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف والشواهد والأسرار والحقائق أن يضرب على محك الكتاب والسنة فيما صدقاه، ويحكمان عليه فقبله يكون بحكمه، {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ، يحتمل معنيين: