والثالث: ما قال اللَّه - تعالى - حكاية عن إبليس؛ حيث قال لآدم وحواء - عليهما السلام - (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) .
لو لم يكن للملائكة فضل عندهم ومنزلة - ليس ذلك للبشر - لم يكن إبليس بالذي يغرهما بذلك الملك والوعد لهما أنهما يصيران مَلَكَينِ، ولا كان آدم وحواء باللَّذين يغتران بذلك - دل أن الملك أفضل من البشر.
والرابع: أن الأنبياء - صلى اللَّه عليهم وسلم - ما استغفروا لأحد، إلا بدءوا بالاستغفار لأنفسهم ثم لغيرهم من المؤمنين؛ كقول نوح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...) الآية.
وكقول إبراهيم - عليه السلام - (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ، وما أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالاستغفار؛ فقال: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) الآية، وقال: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، وما أمر بذلك، وما فعلوا ذلك؛ إلا ما يحتمل ذلك فيهم.
والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم؛ ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر؛ كقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) ، وإلى هذا ذهب بعض الناس: بتفضيلهم الملائكة على البشر.
وقال آخرون بتفضيل البشر على الملائكة، ولا يجب أن يتكلم في تفضيل البشر على الإطلاق على الملائكة؛ لأنهم يعملون بالفساد وبكل فسق، إلا أن يتكلم في تفضيل أهل الفضل من البشر والمعروف منهم بذلك - على الملائكة؛ فذلك يحتمل أن يتكلم فيه.