إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبداً لله. لأنه - عليه السلام - وهو نبي الله ورسوله - خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ؛ وأنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان. وهو خير من يعرف أنه من خلق الله ؛ فلا يكون خلق الله كالله ؛ أو بعضاً من الله! وهو خير من يعرف أن العبودية لله - فضلاً على أنها الحقيقة المؤكدة الوحيدة - لا تنقص من قدره. فالعبودية لله مرتبة لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء. وهي المرتبة التي يصف الله بها رسله ، وهم في أرقى حالاتهم وأكرمها عنده.. وكذلك الملائكة المقربون - وفيهم روح القدس جبريل - شأنهم شأن عيسى عليه السلام وسائر الأنبياء - فما بال جماعة من أتباع المسيح يأبون له ما يرضاه لنفسه ويعرفه حق المعرفة؟!
{ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً} ..
فاستنكافهم واستكبارهم لا يمنعهم من حشر الله لهم بسلطانه.
.سلطان الألوهية على العباد.. شأنهم في هذا شأن المقرين بالعبودية المستسلمين لله..
فأما الذين عرفوا الحق ، فأقروا بعبوديتهم لله ؛ وعملوا الصالحات لأن عمل الصالحات هو الثمرة الطبيعية لهذه المعرفة وهذا الإقرار ؛ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله.
{وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً} ..
وما يريد الله - سبحانه - من عباده أن يقروا له بالعبودية ، وأن يعبدوه وحده ، لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم ، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص من شيء . ولكنه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ، لتصح تصوراتهم ومشاعرهم ، كما تصح حياتهم وأوضاعهم. فما يمكن أن تستقر التصورات والمشاعر ، ولا أن تستقر الحياة والأوضاع ، على أساس سليم قويم ، إلا بهذه المعرفة وما يتبعها من إقرار ، وما يتبع الإقرار من آثار..