اتخذوه إلها من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه فادعوا فيهم العصمة كما يعتقدون ذلك في البابا. فاتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا، فنهاهم عن الغلو في دينهم، ثم نهاهم أن يفتروا على الله، وأن يجعلوا له صاحبة أو ولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه، وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. وإذ كان من أعظم ما وقع من غلو ما ادعاه النصارى أن المسيح هو الله أو ابن الله - تعالى الله عن ذلك - فقد قرر الله في شأن المسيح أنه عبد من عباده، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمة ألقاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن الله فكان عيسى بإذنه - عزّ وجل - وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، ونزلت حتى ركبت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله تعالى، ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل. وبعد أن قرر حقيقة عيسى نهاهم أن يجعلوا عيسى وأمه - أو ما يسمونه الروح القدس - مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهذا نهي عن التثليث، وهو نهي لكل فرق النصارى عن ضلالهم في هذا الشأن، لأن فرق النصارى بعد ما فني أهل التوحيد الخالص منهم كلها تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت في زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه، على ثلاث مقالات كلها كفر، ولهذا أمرهم الله - عزّ وجل - أن ينتهوا عما هم فيه، لأن انتهاءهم عما هم فيه، فيه الخير لهم، ثم قرر الله وحدانيته، ونزه ذاته أن يكون له ولد وقرر أن كل ما في السموات والأرض ملكه